العيون الان

الشيخ بوركبة :  باحث في القانون العام

رئيس جمعية مثقفون من أجل الديمقراطية والتنمية

تعد ظاهرة الإبتزاز الإلكتروني والجنسي من أكثر الظواهر التي تشكل تهديدا حقيقيا على حياة الفرد وخصوصيته، والإبتزاز هو القيام بالتهديد بكشف معلومات معينة عن شخص، أو فعل شيء لتدمير الشخص المهدد، إن لم يقم الشخص المهدد بالإستجابة إلى بعض الطلبات، وهذه المعلومات غالبا ما تكون حساسة أو شخصية أو محرجة ذات طبيعة مدمرة إجتماعيا، والإبتزاز من الجرائم التي ترتكب ضد الأفراد عمدا لإلحاق الضرر بسمعة الضحية باستخدام شبكات الإتصال الحديثة، ويشمل الترهيب والتهديد بنشر صور أو مقاطع أو معلومات سرية تخص الضحية بهدف الحصول على مبالغ مالية أو إستغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة.
ويعتبر الإبتزاز الجنسي من أكثر أنواع الإبتزاز خطورة وانتشارا بجميع أنحاء العالم، والذي يتخذ صورا مختلفة منها ما يكون على مواقع التواصل الإجتماعي عبر ” الفيسبوك والواتساب وسكايب” باستخدام حسابات وهمية تتحكم فيها مافيا دولية وأحيانا عن طريق مجموعة أو شخص واحد، حيث يكون الضحية نتيجة للعب على أهوائه ورغائبه وشهواته وفراغه العاطفي والروحي وذلك بالتواصل معه ومحادثته عن طريق حسابات وهمية على شكل فيديو من أجل إثارته والقيام بحركات مخلة بالحياء تدفعه لما يسمى بالعادة السرية أو إرسال صور وهو شبه عاري، فيقوم الضحية بالمحادثة مع المجرم الذي يستخدم مقاطعا معدة مسبقا لهذا الغرض، وهو غالبا يكون من قراصنة الأنترنت الذين يعرفون كيف يقومون بوضع المحادثة على شكل مقطع، ثم يقومون بإرسالها إلى الضحية فيتفاجأ بأنه وقع ضحية إبتزاز جنسي، فيتم تهديده إما بإرسال مبالغ مالية أو فضحه ونشر المقطع على اليوتوب وإرساله لأفراد عائلته وأصدقائه، فيكون أمام خيارين إما إرسال المبالغ المالية أو الفضح على رؤوس الأشهاد، والضحية قد تكون فتاة أو شابا، وابتزاز الشباب للبنات هو الأكثر بالمقارنة مع إبتزاز البنات للشباب، لأن شكل إبتزاز البنات للشباب يكون غالبا لكبار السن من الرجال ذوي المكانة المهمة في المجتمع من رجال الأعمال والسياسيين والمشاهير لأن سمتعهم هي رأس مالهم وإن سقطت السمعة، سقطعت معها المكانة والهيبة والشخصية وذلك بسبب نشوة زائفة مزيفة لدقائق معدودة كفيلة بأن تدمر حياة ضحية الابتزاز الجنسي الإلكتروني، إذ تتجاوز الأزمة رغبة المبتز في استنزافه مالياً، إلى مأساة إنسانية واجتماعية ونفسية أحياننا تنتهي بالإنتحار وأحيانا بهروب الضحية من بيته خوفا من جحيم العار الذي لحق به، ويأخذ إبتزاز الشباب للبنات عدة صور من بينها، المحادثة مع فتاة عن طريق حساب وهمي وخلق تعارف معها ومكالمات حميمية والطلب منها بإرسال صور عارية أو إرسال مقطع مخل بالحياء تحت ذريعة الحب الوهمي والإعجاب الفتاك والإرتياح المفخخ الذي تتبعه نزوة تغيب العقل والضمير، وحين يأخذ المجرم مراده من الصور والمقاطع، يأتي وقت إظهار الوجه الحقيقي بالتهديد بفضح الفتاة بأن ترسل المبالغ المالية أو تلبي مطالبه الجنسية، ومن بين صوره أيضا ذلك الذي يقع داخل أماكن العمل حيث تتعرض النساء الموظفات والعاملات لابتزاز من طرف الموظفين معها أو المدير وإن لم تلبي مطالبه يقوم بطردها أو كتابة تقارير سوداء في حقها، وأحيانا تذهب الفتيات لإصلاح هواتفهن عند مصلح الهواتف النقالة فيتم التجسس على هواتفهن وأخذ صورهن الخاصة والمقاطع العائلية فيتم إرسالها إلى أشخاص متخصصين في الإبتزاز الجنسي من أجل تهديد الضحية بنشر الصور على وسائل التواصل الإجتماعي إن لم تقم بإرسال المبالغ المالية، وكثيرة هي صور الإبتزاز الجنسي التي تقع فيها الفتيات كل يوم، غالبا ما لا يتم ذكرها نظرا لجهل الضحايا بالقانون والمساطر التي يجب إتباعها لمعرفة مكان المجرم وهويته الحقيقية وكيفية التصرف والتعامل مع المجرم في حالة الوقوع في قضية الإبتزاز الجنسي.
إن الإبتزاز بحد ذاته هو جريمة مهما كانت أشكاله وأثاره التي تنجم عنه، حيث يندرج الإبتزاز الناشئ عن الفساد الإداري ضمن أكثر أشكال الإبتزاز بشتى دول العالم وهو الذي يمارسه بعض الموظفين العاملين في القطاعات الحيوية كافة، وغالبا ما يلجأ هؤلاء إلى إبتزاز المراجعين والمتهمين ممن تشوب قضاياهم أو تنقلاتهم شائبة عن طريق تخويفهم أو تهديدهم لإرغامهم على دفع المبالغ المالية أو تقديم الأشياء العينية أو يعرضونهم للإيذاء الجسدي والتعذيب النفسي والتوقيف والمراقبة، لأن الضحية هنا هو الحلقة الأضعف لن يلجأ إلى القضاء ولا لاستخدام القانون نظرا لخضوعه للسلطة الرئاسية التي تستوجب خضوع الموظف الأدنى للموظف للأعلى، لكن هذا لا يجب تفسيره بأنه الخضوع لتعليمات الموظف الأعلى حين يتعلق الأمر بابتزازه للموظف الأدنى منه واستخدام سلطته في الإستبداد على الضحية، لأن كل من يستخدم هذه الأساليب إلا ويترك فراغات وثغرات من شأنها الإطاحة به وفضحه، بحيث تتعدد دوافعه كدوافع مالية وانتقامية وجنسية ودوافع عائلية يدخل فيها عامل الغيرة والحسد والحقد.
وفي حالة الوقوع التعرض لعملية الإبتزاز، يجب عدم التواصل مع الشخص المبتز، حتى عند التعرض للتهديد والضغوطات الشديدة، وعدم تحويل أي مبالغ مالية، أو الإفصاح عن بطاقتك البنكية، والذهاب مباشرة إلى قسم محاربة الجرائم المعلوماتية الذي يكون داخل جهاز الأمن الوطني من أجل تتبع مكان المبتز ومعرفة هويته عبر وسائل تقنية عالية تستخدمها أجهزة الأمن لهذا الغرض، لأن عدد الجرائم الإلكترونية هو في إرتفاع كبير يهدد الأفراد ويشتت الأسر ويساهم في إرتفاع حالات الطلاق والإنتحار، وقد شدد المشرع المغربي على مثل هذه الأفعال كالسب والتشهير ونشر المقاطع على مواقع التواصل الإجتماعي بأشد العقوبات، حيث أدخل القانون 103.13 الخاص بمحاربة العنف تعديلات مهمة على الفصل 447 من القانون الجنائي، وهي ثلاثة تعديلات سنحاول ذكرها لكي يكون المواطن على علم بها كي ينتبه ولا يقوم بها أو يكون ضحية فلا يعلم المساطر التي يجب إتباعها، وهي كالآتي:
_الفصل 1-447 “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم كل من قام عمدا، وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة أصحابها،
ويعاقب بنفس العقوبة، من قام عمدا وبأي وسيلة، بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص، دون موافقته”.
_ الفصل 2– 447 ”يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم، كل من قام بأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو قام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة، بقصد المس بالحياة للأشخاص أو التشهير بهم.”
_الفصل 3 – 447 “يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم، إذا ارتكبت الأفعال المنصوص عليها في الفصلين 447-1 و 447 – 2 في حالة العود وفي حالة ارتكاب الجريمة من طرف الزوج أو الطليق أو الخاطب أو أحد الفروع أو أحد الأصول أو الكافل أو شخص له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلف برعايتها أو ضد امرأة بسبب جنسها أو ضد قاصر.”
فمن شأن هذه التعديلات أن تحمي خصوصية الأشخاص ممن يستخدمون الصفحات والحسابات المشبوهة ويقومون بالسب والقذف والتشهير بالأشخاص وأخذ صورهم بدون إذن وكتابة العبارات المسيئة لها بانتحال شخصيات ليست حقيقية بهدف تحقيرها والإطاحة بسمعتها.
ويبقى موضوع الإبتزاز الإلكتروني والجنسي من المواضيع الخطيرة التي تهدد مستقبل الشباب خاصة مع تطور أساليب القرصنة والإستخدام الهدام لمواقع التواصل الإجتماعي، والتي تشتغل عليها وحدة مكافحة الجرائم المعلوماتية وتخصص لها خلايا من أجل حماية خصوصية الأشخاص ومحاربة المجرمين ومعاقبتهم بأشد العقوبات. وهذا لوحده غير كافي، بل يجب التشخيص لهذه الظاهرة، ووضع حلول من شأنها وقاية الأشخاص في الوقوع ضحية الإبتزاز التي من بينها:
تقوية الوازع الأخلاقي بالمجتمع، ونشر التوعية، والقيام بحملات تحسيسية من شأنها توعية المجتمع بمختلف شرائحه، خاصة على مواقع التواصل الإجتماعي حيث يوصي المتخصصين في هذا المجال بضرورة تجنب طلب صداقات أو قبول صداقات من قبل أشخاص غير معروفين، وعدم الرد والتجاوب على أي محادثة ترد من مصدر غير معروف، وتجنب مشاركة معلوماتك الشخصية حتى مع أصدقائك في فضاء الأنترنت، ورفض طلبات إقامة محادثات الفيديو مع أي شخص، ما لم تكن تربطك به صلة وثيقة، وعدم الإنجذاب للصور الجميلة والمغرية، والتأكد من شخصية المرسل في حال ذلك، وعدم دخول الروابط الذي يرسلونها لك الأصدقاء لأنها قد تكون روابط على شكل فيروسات من شأنها الدخول إلى هاتفك بكامله والإطلاع على الصور والمحادثات والمقاطع، ويجب النصح والإرشاد والتوجيه من طرف أساتذة التعليم للتلاميذ والطلاب، تثقيف الأسرة تثقيفا شرعيا ونفسيا وتربويا واجتماعيا وعلميا، الإقتراب من الأبناء ومنح المودة لهم والحنان من أجل عدم البحث عنها في مواقع التواصل، الحذر من تصوير أفراد العائلة على مواقع التواصل، الإحتفاظ بالخصوصية وعدم نشر خصوصية الأشخاص على حساباتهم الشخصية، الحذر من الذهاب لبعض الشقق المفروشة أو الفنادق التي يكون بداخل غرفها وحماماتها كاميرات مراقبة، عدم التواصل مع الأشخاص الغرباء وتبادل الصور معهم أو المحادثة على شكل فيديو، عدم البقاء وحيدا في غرفتك طويلا لأن هذا يولد الوحدة والإكتئاب وبالتالي يبحث الشخص عمن يفهمه ويشعر به في مواقع التواصل الإجتماعي، تنظيف حسابك الشخصي من الحسابات المجهولة وحظرهم وعدم الدخول في المجموعات أو الصفحات المشبوهة التي تنشر روابط محملة بفيروسات، جعل مواقع التواصل لتبادل الأفكار والأراء والنقاشات البناءة بدلا من البحث عن شريك الحياة أو عن صداقة وهمية مجهول صاحبها، عدم نشر خصوصية الآخرين ونشر صورهم بدون إذن أو سبهم وقذفهم لأن هذا قد يعرض صاحبه لأشد العقوبات.