العيون الان 

ذ.صبري يوسف

الانتخابات التونسية “سقوط الأحزاب وصعود المستقلين.تعالوا نقرأ معكم نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية في هذا البلد الجار الشمال متوسطي الذي كلما هدأ بعض الشيء ،إلا ويهيئ لخروج مفاجئ يحمل دائما جديدا للجيران والقارة والمناخ الدولي الذي تطل منه تونس الخضراء على واحة الديمقراطية بالشمال ،والتي حاول جاهدا هذا البلد الجميل منذ عقود صناعة ديمقراطيته الخاصة التي كرست تفاوتا بينها وبقية المنتمين إلى الحوزة العربية والقارية ،إنما كلما خطى هذا “التونس” نحو القمة “حش ” من أسفله بمن يضربون تحت الحزام ،وبين ما قبل قرنين من اليوم حيث تجسدت معالم الانفتاح والتعددية والحرية بنسيم “قرطاجني تاريخاني” ..انسجاما مع رغبة كل التونسيين ..هناك قدر يعيد هذا البلد إلى الحفر ،ويعيد لديهم محاولة الخروج منها والرفض القاطع لتغييرعقيدة أمة اختصر بشكل فريد شاعرها العظيم أبو القاسم الشابي حالها:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر…إلى هذا البيت:

ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.

وكأن أبو القاسم يؤسس لأفكار مذهبية سيعانقها بعضهم وجلهم للخروج من هذه الحفر..وسيرفضها غير هؤلاء الحالمين ببقاء الجميع راضخا بنفس الحفر،في صراع حضاري نظيف حتى وهو يعاقب ومسؤول تعددي ينتج كل مرة إبداع جديد مختلف دائما عن كل الجوار ،ويلامس نسيم البحر من ضفافه الأخرى للمتوسط .
وعليه قمنا بمشاركتكم تفريغ تحليل لأحد المختصين التونسيين ،لنطلع على نتائج تلك الانتخابات ..من صعد؟ ومن سقط؟ وتونس اليوم والغد ؟
يبدو أن الانتخابات الرئاسية في تونس قد وصلت إلى إحداث زلزال حقيقي..حين نتأمل نتائج هذه الانتخابات والصعود الصاروخي لشخص” قيس سعيد” ..كشخص منفرد دون “ماكينة حزبية”، أو صعود “نبيل القروي” وهو سجين ملقى في سجن “المرناقيه “على خلفية القضية التي تعلقت به .
هنا ننتهي ضرورة إلى الإقرار بفشل كل المنظومة السياسية التي حكمت بدءا من سنة 2011
ويبدو أن هذه النتائج هي عقاب الشعب التونسي من خلال الأصوات للطبقة السياسية التي حكمت طيلة هذه الحقبة .
فحين نتعمق هذه الظاهرة ،وحين ندرس شخصية قيس سعيد نجده شخصية مستقلة لا تمتلك أموالا ،ولا يمتلك ماكينة حزبية خلفه ،ومستقل عن بقية الأحزاب إيديولوجيا..وحين نتأمل مسيرة الرجل السياسية ،فهو ليست لديه مسيرة سياسية ،لكن خلال شهر يناير 2018 أعلن أنه من واجبه الوطني أن يتدخل لتقديم ترشحه للرئاسة لمحاولة تغيير الأوضاع في تونس بعد أن انتهت إلى فشل متتابع منذ حكم قائد السبسي ولحبيب السيط ويوسف الشاهد.
صعود قيس سعيد لم يتوقعه أحد ! وهنا يطرح سؤال من الذين لم يتوقعوه ؟ إنهم النخبة السياسية خاصة التي تمسك بالإعلام والمال والسلطة ،كلها لم تتوقع أن أستاذا يدرس في الجامعة التونسية يمكن أن يحوز ثقة المواطنين التونسيين؟ رغم أن قيس سعيد تعرض خلال مدة إلى حصار إعلامي ،لم يعد تلك الشخصية التي تقوم بالتحليل على أكثر من إذاعة ،بل تمت محاصرته منذ أن أعلن عن رغبته في الترشح..قيس سعيد أدار حملة بواسطة سيارته206 رمادية اللون ،وجاب بها مختلف مناطق الجمهورية دون أموال ،ودون أن يوزع أموال ،ودون أن يقوم بالدعاية الحزبية الضخمة ،ودون إنجاز اجتماعات شعبية..اكتفى ببعض التصريحات الافتراضية في فضاء الفاسيبوك..وهنا علينا إعادة قراءة كيف تدار الحملات الانتخابية..؟ يبدو أن كل ما قيل حول إدارة هذه الحملات من خلال تقنيين..محترفين وخبراء و وسائل الدعاية “البروباغندا ” كلها سقطت .بمجرد صعود قيس سعيد.
من زاوية أخرى حين نتأمل شخصية نبيل القروي ،هو مختلف عن قيس سعيد ! هو ابن “السيستيم ” ..إنما هنا صار إبنا “مارقا وعاقا “، فهو لم يعتقد يوما أن يكون مرشحا للرئاسيات التونسية لو بقي الباجي قايد السبسي حيا لأنه كان مواليا له .
نبيل القروي حين زج به في السجن كانت خطيئة كبرى ارتكبتها السلطة السياسية بقيادة يوسف الشاهد ،وحوله إلى ضحية ،والضمير الجماعي و”المخيال الجماعي” في تونس يتعاطف مع الضحية ضد الجلاد ..هنا لبس يوسف الشاهد رداء الجلاد. وخسر كثيرا من الأصوات في تلك الغطرسة ،بالزج بمنافسه في السجن، فكسب نبيل القروي في هذه المعركة كثيرا بوجوده معتقلا.
ولأن نبيل القروي خلال فترة 2011 استغل أخطاء” السيستيم”، فراهن على الاتصال المباشر بالفقراء أولئك الذين أهملتهم الدولة “اللاوطنية” بعد 2011 ،ونعتبرها دولة لا وطنية لأنها لا تعير اهتماما بالطبقات الواسعة من الفقراء في تونس ،نبيل القروي راهن عل هذا الفراغ بعد أن فطن لذلك.
واستطاع أن يملأه واستفاد جدا من وجوده في السجن، اليوم نحن أمام واقع سياسي جديد بتونس، “المارق من السيستيم” و”المعارض للسيستيم “، أي تلك المنظومة السياسية كلها بأحزابها ومجلس نوابها ورئاسة الحكومة ،وطريقة توزيع السلطة وطريقة توزيع الثروات.
وهنا يبدو أنه قد فشل في السيطرة على الوعي الجماعي في تونس ،وبالتالي هناك ردة فعل فريدة وعنيفة من نوعها في تونس، وقد تدرس في المستقبل .لأنها جاءت عن طريق الصناديق ،بينما كنا ننتظرها أن تكون بشكل أخر؟ نتيجة الحيف الجبائي والظلم الاقتصادي واحتكار أقلية للثروات ،وتسليط الضرائب على الطبقات الفقيرة والمتوسطة .ويبدو أن الهزة الاجتماعية عبرت عن نفسها بشكل حضاري من خلال صناديق الانتخابات.
إذ كيف نفهم فشل كل الماكينات الإعلامية والحزبية ..مثل حزب تحيا تونس وحزب النهضة، وحزب مهدي جمعة ،وحزب البديل وبقية الأحزاب التونسية الصغيرة؟ والسؤال الأبرز أين هو اليسار التونسي من هذه الانتخابات ؟
هنا يبدو أن الشعب التونسي من خلال 35 أو 40 بالمائة استطاع أن يصوت بشكل عقابي ضد الحكومة وأحزابها ..إنما كيف ؟
فالبرلمان التونسي كان يصوت على القوانين والتشريعات منها المالية خاصة ،ويذكر الجميع أن هذه الحكومة قبلت كل شروط الصناديق والأبناك الدولية المقرضة ،ومن بين هذه الشروط أنها فرضت ضرائب هائلة على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة ،وقامت بتخفيظ العملة ،ورفعت مراقبة البنك المركزي عن العملة ..كل هذا أدى إلى انهيار الدينار وارتفاع كل الأسعار .. ،كما وفرضت إتاوة تخصم من أجور الموظفين في القطاع العام والخاص ومعه خسرت الحكومة وأحزابها تعاطف الفئات الاجتماعية.تم هناك فقدان ثقة جيوش المتقاعدين بعد شعورهم بأنهم باتوا مهددين . تم ماذا قدمت الحكومة ل600 ألف من المعطلين من خيرة الشباب التونسي الذين أنفقت الدولة عليهم أموالا طائلة في تكوينهم؟
حرمتهم من حق العمل. أي حرمتهم من الحق في الحياة ؟ كل هذه السياسات الحكومية إضافة إلى الدور السيئ لذات الحكومة في التعليم ،وفر ظروفا لصعود قيس سعيد ونبيل القروي من وراء القضبان ..في المقابل سقوط مدوي للأحزاب الحاكمة ..النهضة كإسلام سياسي ،نداء تونس بكل فروعه ..حزب تحيا تونس وحزب المشروع، تعرضت كل هذه الكيانات إلى هزيمة كبرى لا يمكن تجاوزها في الانتخابات التشريعية ..فما حدث الآن ستكون له تداعيات في الانتخابات التشريعية .
فالنهضة والفضيلة دخلت إلى ” السيستيم “في 2011 وأصبحت جزءا منه ،وأثبتت هزيمتها وتراجعت إلى المستوى الثالث في هذه الانتخابات .بالتالي فقدت قيمتها وتراجعت شعبيتها وهذا جواب الشعب التونسي بكونه لم يعد راضيا على سياسات هذا التيار.
كل هذه الأوضاع تعني أن مستقبل تونس سيعرف تراجع أدوار الأحزاب الحاكمة واستمرار حشد المستقلين ،وبالنهاية الشعب التونسي يريد أن يغير الوجوه التي حكمت طيلة فترة 9سنوات ،ويريد تغيير كل المأساة التي مر منها و انهيار قطاعات كبرى كالتعليم والصحة والإدارة والفلاحة ،وبالتالي هي هزيمة لوسائل الإعلام الكبرى التي تعتقد أنها قادرة على توجيه الوعي الجماعي التونسي وأن تسيطر عليه وتخضعه.