العيون الان

“حضرت يوم أمس ندوة حول موضوع الكتابة المسرحية بالمجال الحساني، وكانت الندوة من تسيير الصديق الناقد الدكتور الوالي جودا، ومن ضمن الاسئلة التي اثارها الدكتور جودا كان سؤال هوية المسرح الحساني، هل يقصد به المسرح الناطق بالحسانية؟ واي حسانية اذا ما اخذنا بتنوع اللسان الحساني على امتداد المجال البيظاني؟ وهل يقتصر المسرح الحساني على مجال جغرافي محكوم بالحدود السياسية ام انه ممتد الى باقي المجالات البيظانية كموريتانيا وجنوب الجزائر مثلا؟ وفي اطار التفاعل مع هذه الاسئلة، اقترحت ان نقارب موضوع هوية هذا المسرح خارج المعطى الاثني والمجالي، حتى وان نبحث عن خصوصية لهذا المسرح اشمل واعمق واكثر صلابة. فذهبت بالقول الى ان سؤال الهوية في المجال الادبي بشكل عام مرتبط بسؤال الهوية الثقافية. فالثقافة شيء متحرك ومتغير ومتجدد. ولان الثقافة الحسانية كباقي الثقافات الانسانية هي ثقافة ناتجة عن تفاعلات ثقافية امتزجت فيها عدة ثقافات. وبالتالي فالهوية الحسانية ومن خلالها هوية المسرح الحساني ستظل عصية على التحديد والضبط. لكن اذا تمت مقاربة سؤال هذه الهوية داخل نسق ثقافي اشمل واوسع سيمنح لهذا المسرح الاختلاف المائز عن باقي المسارح. وهذا النسق الثقافي حسبما اقترحت هو النسق البدوي العالمي. فكما هو معروف، العالم كان دائما منقسما الى مجموعتين كبيرتين: مجموعة راحلة ومجموعة مستقرة. فمقاربة المسرح الحساني ضمن منظومة الترحال خاصة في بعدها القيمي يعد طريقا سالكا نحو تحديد هوياتي سليم. ولكي يكتسب هذا المسرح هوية مائزة يجب تجاوز حصر هذه الهوية في الاكسيسوارت الفلكلورية كاللباس التقليدي (الدراعة والملحفة واواني اعداد الشاي) والتي تستخدم من اجل سينوغرافية يراد بها ان تعكس هذا الانتماء الثقافي المتحرك والمتجدد داخل فضاءات موازين القوة والتي قد تفرض عليه الاندثار حتى لعدم تكافى موازين هذه القوى. ان توطين منظومة القيم البدوية داخل النص المسرحي الحساني والحرص على تجسيدها يعد من اهم مداخل فهم البعد الهوياتي لهذا المسرح. فالانسان الصحراوي ألف قيمة الحرية والتحرر من القيود الذي يفرضها الاستقرار. هناك قول بان القيم تتجدد، لكنه قول لا يستند على قاعدة صلبة اذ ان القيم ثابتة والمتجدد فيها هو آليات التعبير عنها وطرق تجسيدها واساليب الدفاع عنها. فالحرية التي ألفها الانسان البدوي هي نفس القيمة التي تحدثت عنها البشرية عبر العصور. توطين القيم البدوية كما تحدث عنها ابراهيم الكوني وادوارد آيبي في المسرح الحساني سيمنحه بعدا هوياتيا مختلفا وسيمنح منطلقات متجددة في التميز الاسلوبي واللغوي والجمالي . ولعل العرض المسرحي ” حاسي بلا كعر ” المعروض يوم السبت 30 مارس 2019 بدار الثقافة بالعيون كان بداية موفقة في هذا التوطين نصا واخراجا.”