العيون الان

الشيخ سيدي بوركبة: باحث في العلوم السياسية

رئيس جمعية مثقفون من أجل الديمقراطية والتنمية

” الشباب وتفاقم ظاهرة الفراغ السياسي بالمغرب ”

تعتبر ظاهرة الفراغ السياسي من بين الظواهر المعقدة التي يشهدها العالم العربي، حيث أن هناك عوامل اجتماعية ثقافية واكراهات اقتصادية ساهمت في تفاقمها وانتشارها، فهي لا تعني عدم وجود أحزاب سياسية أو قوانين منظمة للعمل السياسي أو عدم وجود نخبة مثقفة وقيادات محنكة، بل تعني جمود عمل الحكومة التي تتشكل من أحزاب  سياسية، وكثرة القوانين والمؤتمرات والهياكل الحزبية بمختلف بقاع المغرب لكن بدون لعب دورها الحقيقي والمنوط بها، حيث يمكن ربط ظاهرة الفراغ السياسي بعزوف المواطنين عن المشاركة السياسية لانعدام الثقة في الأحزاب السياسية، فدور الأحزاب السياسية ليس الضحك على الدقون والنوم في البرلمان واستقطاب المواطنين في فترة الانتخابات والتنكر لهم بعد نهاية الحملة الإنتخابية، وعدم الوفاء بالبرامج الإنتخابية والسعي وراء المصلحة الشعبية، فبعدما كانت الأحزاب السياسية مدرسة يتخرج منها الكوادر والنخب السياسية التي تحمل قلقا فكريا على مصلحة الأمة، وكانت تقوم بالتأطير والتكوين اليومي للمواطنين بمختلف المجالات حتى أصبح الواحد منهم مدرسة مصغرة يؤطر أسرته وجيرانه ويزرع الفكر والوعي والثقافة البناءة، وكانت الأحزاب السياسية ملاذا للإبداع والتميز وإبراز الذات والمنافسة الشريفة بمختلف المرجعيات والمبادئ، إلا أننا اليوم أصبحنا نرى تفاقم ظاهرة الفراغ السياسي بشكل مخيف وغير مسبوق لم يشهد المغرب له مثيلا، حيث أن خطابات بعض قادة الأحزاب السياسية بالمغرب يشوبها نوع من الإستهتار والصبيانية وعدم تحمل المسؤولية، وبدلا من إيجاد حلول للوضع الحالي الذي يشهد بطالة مرتفعة وهجرة منتشرة وانتحار بسبب إرتفاع معدل الإكتئاب وأمراض نفسية والظلم والرشوة في ولوج الوظائف والشطط في إستعمال السطة…، نجد أن جل خطابات بعض قادة الأحزاب السياسية المشكلة للحكومة الحالية تفتقد للصدق والمصداقية والنضج وفصاحة اللسان، بالمقابل نسمع خطابات أساسها التعديل في الأرقام والتملص من المسؤولية ونشر العداوة مع الأحزاب الأخرى وحزب يقذف الحزب الأخر وينعته بأبشع النعوت ومع هذا يعتلون المنابر وكل يقدم نفسه على أنه المصلح والمنقذ للوضع الحالي الذي يعيشه المغرب، مما شكل مسلسلا كرتونيا حتى الصبيان لا يثقون به، فكيف بالمواطن أن يثق بالأحزاب السياسية المشكلة للحكومة والتي تسعى للفساد والإغتناء والزواج من السياسة، فحين يكون هدف هذه الأحزاب السياسية هو الحصول على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية وترأس الحكومة بأي شكل من الأشكال، حينها تتفاقم ظاهرة الفراغ السياسي وتقل المشاركة في الشؤون السياسية للبلاد، إضافة إلى ذلك المواطن المثقف الذي يحمل شواهد عليا ويتكلم بعدة لغات ويملك القدرة على النهوض بأوضاع البلاد، يصاب بالخوف والقمع من نعته بالخيانة وهو ما يجعله أمام خيارين: إما أن يصبح أداة مرهونة من أدوات التعبئة السياسية والدعاية الرسمية للحزب، أي الذوبان الكلي في اللعبة السياسية وبالتالي فقدان استقلاليته، وإما الانعزال أو الهروب الى الخارج وفي كلتا الحالتين ينعدم دوره في المشاركة في الحياة السياسية إذا لم نقل بأنه يموت تدريجيا.

وهكذا أكدت معظم الدراسات والأبحاث الميدانية حول عدم المشاركة السياسية للمواطن المغربي في الحياة السياسية وفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية الحكومية والبرلمانية . وإن كانت هناك دوافع عديدة وأسباب متعددة ساهمت في فقدان ثقة المواطن في الحكومة والبرلمان وفي عزوفه عن المشاركة السياسية والتي من بينها :

_ إفتقاد الأحزاب السياسية إلى معايير وشروط  من شأنها أن تجعل عملية إفراز النخب السياسية ناجحة، والاكتفاء بمنطق المحسوبية، وإبرام الصفقات والوساطة خلف الكواليس، مما يجعل عملية تجديد النخب عملية صعبة جدا، بل ومستحيلة في ظل التخلف الفكري ومحورية العائلات المتحكمة بالأحزاب السياسية تاريخيا، كما يؤكد ذلك الدكتور إدريس لكريني أستاذ الحياة السياسية والعلاقات الدولية في كلية الحقوق بجامعة القاضي عياض في مراكش ” إن أي تشريح للواقع السياسي المغربي في علاقته بتجديد النخب ستتمخض عنه نتائج أساسية وهي أن سيادة أسلوب التزكية ومنطق الوراثة في بناء الشرعية السياسية، بالشكل الذي يمس «شخصنة» هذه الهيئات يحول دون تجددها ويخلق حالة من التوتر والصراع بين الأحزاب وتنظيماتها الشبيبية”.

_ تنكر الحكومة للمواطنين وإثقالهم بالضرائب وغلاء المعيشة وإنفاق الأموال الطائلة على مشاريع لا يستفيد منها المواطن البسيط.

_ عدم وجود أي برامج آنية توفر العيش الكريم للمواطنات والمواطنين وتمكنه من الحصول على الخدمات الصحية بشكل سليم.

_ فشل السياسة الحكومية في توفير أكبر عدد من مناصب الشغل أمام تراكم أفواج المعطلين بما فيهم حاملي الشواهد التقنية والشهادات العليا، خاصة بالأقاليم الجنوبية حيث قامت الحكومة منذ سنة 2011 بإلغاء التوظيف المباشر واستبداله بمباريات التوظيف التي تعد وسيلة شرعية لإدخال من يريدون إدخاله تحت ذريعة الشفافية والمصداقية، مما أدى إلى انتشار البطالة وارتفاع معدل العنوسة والهجرة نحو الخارج من أجل البحث عن العمل.

_ عدم تصويت البرلمان على قانون تجريم الغش الضريبي والضريبة على الثروة يجعل من محاربة الفساد شيئا مستحيلا.

_ الحكومة تدعي محاربة الفساد وتصف الآخرين بالمفسدين وهنا أستحضر قولة هنري كيسنجر الذي قال: “تسعون في المائة من السياسيين يعطون للعشرة الباقية منهم السمعة السيئة”.

_ عدم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة والإكتفاء بالإعفاء مع إبقاء الإمتيازات والتقاعد المريح للوزراء الذين تم إعفاءهم.

_ تزوير العمليات الانتخابية البرلمانية واستخدام النفوذ وسلطة المال، وعدم الإدلاء بمصاريف الحملات الانتخابية لدى المجلس الأعلى للحسابات والتحالفات الحكومية التي تذبح العملية الديمقراطية من الوريد إلى الوريد.

_ إستقطاب الأحزاب السياسية لمناضلين لا يملكون تكوينا علميا ولا أكاديميا ولا حتى أخلاقيا الشيء الذي ينعكس على صورة الحزب وسمعته.

كل هذه الظروف والدوافع جعلت المواطن يبتعد عن الدخول في الأحزاب السياسية وشكلت جمودا فكريا وفراغا سياسيا بالمملكة، ولا يمكن إعادة ثقة المواطن في الأحزاب السياسية إلا إذا كانت هناك إستراتيجيات وبرامج من شأنها أن تجعله شريكا في العملية السياسية وأذكر بعض الحلول من بينها:

_ وضع برامج تأطيرية وتكوينية من طرف الأحزاب السياسية للمنخرطين التابعين لهم من أجل تكوينهم وتعليمهم أبجديات السياسة والدخول لها وترسيخهم مبادئ ومرجعيات هذه الأحزاب، لأننا اليوم نعيش أزمة مرجعيات اختلط الإسلامي باليساري واليساري بالإسلامي، وكلها أساليب أو أغطية من أجل الظفر بأكبر المقاعد والفوز بالاستحقاقات الانتخابية.

_ إعادة هيكلة التنظيمات الموازية لهذه الأحزاب السياسية واستقطاب النخب المثقفة وحاملي الشواهد العليا والتي تتميز بروح المسؤولية ويشهد لها بالنزاهة والأخلاق والتجرد.

_  جعل الشباب في مقدمة هذه الأحزاب السياسية من أجل حكومة شابة قادمة، يقودها الشباب وتعتني بالشباب بدل وضع سياسيين أكل عليهم الدهر وشرب.

_ القطيعة مع الخطابات الرنانة والجوفاء التي في ظاهرها الإصلاح وفي باطنها الفساد والمصلحة الشخصية، واستبدالها بخطابات نابعة من روح المسؤولية والنقد الإيجابي.

_ تكوين قادة الأحزاب السياسية وتأطيرهم في مواضيع متعددة من بينها فن الخطابة وتعليمهم فصاحة اللسان والإبتعاد الكلي عن الدارجة في التصريحات والمؤتمرات من أجل جعل الخطابات سليمة وتتميز بالدقة والوضوح، بدل الخطابات التي نسمعها وتجسد سذاجتهم وأميتهم بل وافتقارهم للتحدث باللغة العربية الفصحى.

_ تجميد عضوية كل وزير أو برلماني أو مسؤول حزبي صرح بتصريحات نابية في حق حزب آخر أو شخص آخر.

_ بناء الكوادر يكون من مدرسة الحزب التي تتحلى بالقيم والأخلاق والنجاعة والنزاهة والشفافية.

_ إلزام الأحزاب السياسية بوضع قانون صارم يمنع الترشح للأمين العام لأكثر من ولايتين.

_ تمكين الشباب من الأليات وميكانيزمات الإشتغال داخل مقرات الأحزاب السياسية.

وتبقى ظاهرة الفراغ السياسي من أعقد الظواهر التي لا يمكن معالجتها إلا بإصلاح يبدأ من  هرم الأحزاب السياسية إلى أخر منخرط بها، ولعل ما جعلها تتفاقم يكمن في صمت الأخيار وهجر النخب المثقفة للمجال السياسي وتركه محبوسا على نفس الأشخاص ونفس الأفكار وبالتالي نفس المسلسل سيظل يتكرر على مر السنين والضحية هم الشباب الذين لم يعد يجدوا بديلا غير الهجرة إلى أوروبا وبالتالي طاقات ومواهب تهدر وتهجر بدل استثمارها واستقطابها من أجل مستقبل الأجيال القادمة.