العيون الان

المسألة الإجتماعية و أزمة النموذج التنموي المغربي
حسن الزواوي
باحث في العلوم السياسية
تعتبر المسألة الاجتماعية، معطى أساسيا لفهم وتفسير دينامية الحقل السياسي المغربي الذي يمر اليوم بمخاض عسير نتيجة تنامي حجم الاحتجاجات والانتقادات التي تستهدف أداء المؤسسات والفاعلين المكلفين بتنزيل أو تطبيق البرنامج التنموي. لقد بات هذا الأخير يشكل مؤشرا، بل ومعيارا يُقاس به مدى تخلف أو تقدم المغرب، و آلية أيضا لتقييم فعالية السياسات العمومية، التي من المفترض أن تكون التنمية أحد مخرجاتها الأساسية.
فإذا ما ألقينا نظرة على المعطيات الميدانية من خلال تقارير المنظمات الدولية والوطنية حول الوضعية الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب، نجد بأنها تحيل في حمولتها الإحصائية على تعثر المسلسل التنموي الذي تم وضع لبناته الأولى في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، من خلال بلورة حزمة من البرامج والسياسات التنموية الجديدة، أهمها هي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. ويمكن القول بأن هذه البرامج ساهمت جزئيا في خلق تنمية على المستوى الاجتماعي لكن ليس وفق الشكل والحجم اللذين كان المواطنون ينتظرونهما منها، وذلك بسبب محدودية نتائجها الإيجابية وأيضا عجزها عن خلق دينامية فعالة على المستوى السوسيو اقتصادي تساهم في الحد من ظاهرة الفقر وإدماج المهمشين اجتماعيا.
ولعل المرتبة المتأخرة التي يحتلها المغرب على مستوى مؤشر التنمية الدولي، تؤكد عدم قدرة هذه البرامج على رفع تحدي المسألة الاجتماعية، بقدر ما تُرسخ الاعتقاد السائد في كونها ليست سوى آليات جديدة تهدف إلى إعادة إنتشار النظام المخزني داخل المجتمع وذلك عبر إخضاع هذه البرامج لمنطق نيوباتريمونيالي يساعد على إعادة إنتاج شبكات زبونية تخترق المجتمع وتساهم في مراقبة أنشطة مكوناته المدنية. فالهاجس الأمني التقليدي ظل متحكما وفي نفس الوقت محددا لكيفية تنزيل هذه البرامج التنموية على أرض الواقع. هذا دون إغفال الإشارة أيضا إلى الأجندات الإنتخابية و السياسوية التي تخدمها البرامج التنموية، الأمر الذي ساهم في تسييس الفعل العمومي وجعله أداة يتم استغلالها بطريقة عكسية بغية تعزيز سلطات الفاعل الانتخابي /السياسي و تمكينه من توسيع شبكات الولاءات التي تضمن الاستمرارية لسلطته.

إن أزمة النموذج التنموي بالمغرب تُسَائل أزمتي الفعل والفاعلين العمومين، وذلك نظرا لكون أي سياسة كيفما كان نوعها لا تتحدد فعالياتها على المستوى النظري فقط بل لابد من التمعن في كيفية تنزيلها أو تطبيقها على أرض الواقع بغية فهم طبيعة أداءها وتقييم فعالياتها. من هذا المنظور نود أن نشير إلى أن بروز المسألة الاجتماعية كمشكل سياسي وعمومي لا يُمْكن عزله عن التعثر الذي أشرنا إليه سالفا، والمتجسد أيضا في حجم نتائج السياسة التنموية المتبعة والتي لازالت غير قادرة على التكيف مع مطالب الطبقات الفقيرة والمهمشة اجتماعيا. إذ لم تساهم حصيلة هذه السياسة التنموية إلا في زيادة حجم الاحتجاجات الشعبية و بروز الاحتجاج الإفتراصي كألية للتعبئة، و كذلك تشكل وعي سياسي جديد تحمله فئات شابة تعتبر نفسها من ضحايا التنمية. فلقد اتسع نطاق الاحتجاجات ليشمل أيضا المجال البحري وذلك في إشارة إلى طبيعة الشعارات التي رددها بعض الشباب من المهاجرين السريين إلى أوروبا. كما نتج عن هذه الأزمة إحساس المواطن بغربة تتجسد في استشعاره نوع من المظلومية التي أصبحت شرطا نفسيا موجها لسلوكه السياسي و الاحتجاجي؛ المتمثل في عدة أشكال تعبيرية و رمزية تعكس طبيعتها حجم الهوة التي باتت تفصل اليوم مؤسسات الدولة عن المجتمع.
لقد ساهمت محدودية الأثر الايجابي للسياسة التنموية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة الى طرق تعاطي الدولة مع ردود الفعل الشعبية في بروز أزمة أخرى على مستوى التواصل السياسي. إذ لم تساهم تصريحات بعض الوزراء فيما يخص مقاطعة بعض المنتوجات الغذائية إلا في كشف أوجه أزمة السياسة بالمغرب و ضعف احترافية الفاعلين فيها. لذا فأزمة النموذج التنموي المغربي هي في نفس الوقت أزمة الدولة الاجتماعية وأيضا أزمة المشهد السياسي الذي أصبح مائعا بسبب تصريحات الفاعلين وطرق معالجتهم للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فالسياسة لا تتحدد قيمتها المادية الرمزية إلا عبر قدرة آلياتها المؤسساتية والفاعلين من داخلها في إيجاد حلول لمشاكل المواطنين.
إن الأزمة التي يمر منها المغرب اليوم قد تبدو ظاهريا ظرفية ولكن في عمقها بنيوية مرتبطة جدليا وتكامليا بمسلسل بناء الدولة الاجتماعية وكذلك دولة القانون. فالسخط المتزايد على السياسة ورجالاتها واتساع الرقعة الجغرافية للاحتجاجات، ثم تزايد اعداد المهاجرين السريين نحو أوروبا، كلها مؤشرات توحي بالتشاؤم كما تغذي روح النقد و تُشرعن كل التساؤلات الشكية حول مدى فعالية هذا النموذج. يمكن القول في هذا الصدد بأن تعثر مسلسل التنمية في المغرب هو بمثابة الشجرة التي تخفي مجموعة من الإخفاقات مست جل القطاعات الحيوية للدولة ونذكر هنا على سبيل المثال القطاعين الصحي والتعليمي. فلابد من التأكيد على أن التنمية هي بطبيعتها مسار مركب متجسد في الترابط الحاصل بين جميع المؤشرات المرتبطة بها، إذ لا يمكن الحديث عن مسلسل التنمية دون الإشارة إلى حصيلة هاته القطاعات ولعل المتمعن جيدا في التقارير الدولية وأيضا التقرير الصادر مؤخرا عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يخلص إلى أن تعثر مسار التنمية بالمغرب مرتبط ارتباطا عضويا بفشل القطاعات السالفة الذكر.
و كما أشرنا إلى ذلك من قبل، يجب النظر أو تحليل المسلسل التنموي انطلاقا من طبيعته التركيبية أو القطاعية التي هي في حد ذاتها مكون أساسي وعضوي للسياسات العمومية. فهذه الأخيرة تظل محور كل نقاش واهتمام، ومدخلا أساسيا ليس فقط لتقييم المسلسل التنموي بل أيضا لفهم السياسة والفعل السياسي في بلد لازال كل ما هو سياسي فيه مرتبط بخدمة المصلحة الخاصة، فالتهافت على الترشح في الانتخابات أو المناصب السياسية مثلا يُفسر غالبا من خلال طبيعة التمثلات الاجتماعية المترسخة داخل بنية ذهنية رافضة ضمنيا لممارسة السياسة من خارج منظور المقاربة الريعية للفعل السياسي.
وبعبارة أخرى يتم اختزال السياسة في مجموعة من الأليات المتبعة في تسيير الشأن العام وإنتاج الفعل العمومي وذلك حسب تصور لا يخدم إلا المصالح الضيقة للمسؤولين المكلفين بهذا التسيير. لذا نجد بأن الإصلاحات الإدارية التي رافقت تنزيل مسلسل التنمية من خلال إصلاح الميثاق الجماعي وبلورة القانون الجديد المنظم للجهات مع التأكيد على الدور التنموي للمنتخبين، كلها معطيات تم استغلالها من بعض المنتخبين بشكل عكسي أثر بالسلب على تطبيق برامج ومقتضيات التنمية. فبالرغم من بعض الفرص التي منحتها هذه القوانين للمنتخبين من أجل لعب دور تنموي، فإن طرق تنفيذ البرامج الاقتصادية والاجتماعية من طرف بعض المنتخبين ساهمت في تعميق أزمة التنمية لأن مخرجاتها لم تكن تنموية صرفة بل ريعية.
لكن هذا لا يعني اختزال أزمة التنمية في طبيعة أداء المنتخبين فقط، بل هي مقترنة كذلك بحجم و طبيعة دور وزارة الداخلية التي لا زالت تعتبر أم الوزارات بالرغم من الإصلاحات التي مست بنياتها بعد إقالة إدريس البصري في نونبر 1999. إن وصاية هذه الوزارة على جل القطاعات الاجتماعية لم تساهم إلا في خلق تعقيدات على مستوى تنفيذ برامج التنمية بسبب سيطرة أسلوب تقليدي في التسيير وعدم تجذر أساليب الحكامة. وهذا في حد ذاته إشكال ترمز عناصره إلى ضعف تأثير الإصلاحات الإدارية المعتمدة في تحديث أساليب الإدارة والتسيير وتفعيل مبدأ المحاسبة، الذي لا زال لم يتم العمل به بشكل واضح نظرا لخضوع تطبيقه لحسابات سياسية لا يمكن فهمها بدون فهم الوظيفة الحقيقية للتنمية داخل نسق سياسي وإداري يلعب فيه الريع دورا محوريا، إذ يعتبر بمثابة ميكانيزم وظيفي يضمن الاستمرارية لهذا النسق.
تبدو لنا أزمة النموذج التنموي بالمغرب مرتبطة بأساليب وطرق تسيير الشأن العام وكذلك طبيعة القيم التقليدية التي لازالت تقف عائقا أمام ترسيخ القيم القانونية في ضبط وتسيير المرافق العمومية. فالإشارة الى ما هو تقليدي، نقصد به تلك القيم والمنطق الزبوني/ المخزني الذي لا يؤمن إلا بمبدأ الطاعة والولاء مقابل الامتيازات المادية والرمزية التي يحصل عليها الفاعلون نتيجة إدارتهم للشأن العام. فلقد تطرق إلى ذلك سابقا إدريس بنعلي في دراسته للقطاع العام بالمغرب، حيث أكد على طابعه الباتريمونيالي والزبوني. لذلك نذهب في هذا التوجه لكي نؤكد على أن أزمة النموذج التنموي هي نابعة من أزمة الثقافة السياسية السائدة والتي لازالت تقاوم عوامل التحديث و الدمقرطة، عبر قدرتها على تطويع هاته العوامل واستغلالها بشكل يجعلها تخدم استمرارية المنطق المخزني المتحكم في طرق تسيير السياسات العمومية وتحديد أهداف النموذج التنموي.
لم يتمخض عن هذا النوع من التنمية ، حتى الآن، سوى النقمة المتجسدة في تزايد الوعي الشقي والنقدي لمؤسسات الدولة، التي ساهم تعثر النموذج التنموي في تآكل رصيدها المعنوي نظرا لبداية بروز نوع من عدم الثقة لدى المواطنين في دورها المؤسساتي. فالنظرة النقدية التي نلامس بها موضوع التنمية نبررها بنوعية الأزمة التي يمر منها المغرب اليوم وهي في حد ذاتها ناتجة عن عدة أزمات أهمها تلك المتعلقة بعمل المؤسسات القائمة وضعف الإرادة السياسية المواكبة لتنزيل البرامج التنموية، ناهيك عن استمرارية الأسلوب التقليدي/ المخزني في ضبط العمل السياسي وإنتاج السياسات العمومية.
و إجمالا تكشف المؤشرات وجود أزمة تتمثل بغياب تصور حقيقي للتعاطي مع الجمود الذي يخترق بنيات الدولة و يُسَائل مجهودات الفاعلين في تمثل حقيقي لفعل التنمية وبرامجها. مما يستدعي ترتيب أولويات سياسة الدولة من خلال إعادة تشكيل و توجيه مجهوداتها بغية الإجابة على انتظارات المواطنين.