العيون الان

يتشرف موقع العيون الان بنشر حلقات سلسلة “حفريات في تاريخنا المشترك بآسا” للدكتور سويدي تمگليت، إذ يسلط الضوء وقائع تاريخية مهمة لمنطقة آسا.

المـاضي الموؤود: حفريات في تاريخنا المشترك بآسا…
بقلم د. سويدي تمكليت

الحلقة الأولى: مهاد السلسلة

البحث الموضوعي هو وحده السبيل الأنجع الذي بمقدوره أن يقودنا إلى بناء المعرفة على وجهها الحقيقي، واستكشاف مناطق العتمة فيها من خلال تقديم إضاءات علمية تسد الفراغ الدراسي، وتستنطق الشواهد واستغلاقات النصوص، وتفحص مختلف الدعاوى وتستعلم جغرافية مجاهلها، وتتوقف عند مجمل الأخبار والروايات للبتِّ في مدى صحتها أو مطابقتها للمكتوب ومن ثمة الحسم في غوغائية كل السجالات والمزاعم التي تنشأ غالبا عن التزييف والبهتان أو الفراغ وخدمة عقيدة الإديولوجيا والانتماء بما يعنيه من مركبات نرجسية/عنصرية وإقصائية تسعى إلى نفي وجود الأخر وثابت التعايش والتاريخ الجماعي المشترك، أملا في الانفراد بحيازة الماضي وميراثه الثقافي والاجتماعي والسياسي القائم على التعددية والغنى…

ولما كان البحث مرتبة من مراتب تقدير أهل العلم والاجتهاد، لما يتحوزه من منزلة في سلمية المعرفة والاشتغال بها، فإنه سيكون لا محالة هو الاختيار الذي سننحاز إليه أكاديميا وموضوعيا في هذه السلسلة الخاصة من إطلالاتنا الدراسية حول موضوع اخترناه من بين مواضيع أخرى قادمة لراهنيته وملحاحيته اعتبارا للنقاش المفتوح حوله -في كل مرة- بأوساط بعض شبابنا (الباحثين وغير الباحثين) المهووس بماضيه، ودعاوى “تملُّكِ وحيازة” حقيقة تاريخه، بل وميراثه الحضاري والعمراني والاجتماعي والديني والروحي والاقتصادي إلخ على حد سواء…

والناظر في هذه المناقشات والتدوينات والخرجات يستكشف أمرا بالغ الخطورة يتعلق بطغيان العاطفة والمد العنصري بين بعض شباب هذه الحوضة الآمنة المتعايشة مع أجزاء ذاتها وباقي أطرافها المجاورة، وأن المناخ الذي تجري فيه هذه النقاشات والمدارسات والمحاورات لا يخلو من شنآن حاد، وتوترات شديدة، وغياب المحاججة العلمية فيما بينه، والتجرد من تجاذبات الأهواء التي من شأنها أن تنبئ عن سلامة القلب وموضوعية البحث، بل إن تلك المحاورات قد تصل أحيانا إلى مستوى مقيت من الوضاعة والانحطاط والكلام النابي…

ولأن البحث تحكمه ميكانيزمات وتقاليد علمية خاصة “معرفة وإجراءً”، ولا ينحاز في أساسه إلا للبيان وفصل المقال، ويستلزم اعتماد أدوات منهجية صارمة تقوم على المنطق والمعالجة الأكاديمية بعيدا عن الانطباع والذوق الارتسامي، ويحتاج إلى تحرٍّ طويل وتنقيب مفتوح على الجميع، وتقليب ومعاشرة حقيقية للكتب والمظان الإخبارية (مصادرا ومراجعا)، وتحمُّل كبير –قد لا يطيقه المرء إلا لماما- لأنضاء التنقل والاغتراب، والزيارات واللقاءات، والصَّدِّ والتجاوب، والتجافي والتداني، وإكراهات التوثيق وحاجياته (تصويرا وتسجيلا) إلخ… وكل ما ينشأ عن ذلك من مطبات وصعوبات وردود أفعال متباينة؛ ناكرة جاحدة (مستخفة ومتهجمة) أو معترفة مثنية (مشجعة ومقدرة) للمنجز واجتهاداته (خلاصاته ونتائجه)…

فقد آثرنا أن نُفردَ –وليلتمس لي العذر جميع الأصدقاء في ذلك- حلقات هذه السلسلة الدراسية المتواضعة لتقديم بعض الإشارات التي تهم بعض الجوانب من تاريخ قصر آسا وميراثه الحضاري والثقافي والعمراني انطلاقا من نبشي واطلاعي على عدد وفير من الوثائق نلتُ نسخا منها من خزائن ومكتبات عدد من الأفراد والعائلات التي مدّتني بها مشكورة خلال سنوات ومازال بعضها لا يألوا في الاتصال بنا -لحد الساعة- من أجل إمدادي واطلاعي عليها، وكم كنت مسرورا جدا بذلك، وسعيدا للغاية بثقتهم الكبيرة فيّ، وأتمنى أن لا أخيِّبَ لهم ظنَّا في ذلك، خصوصا وأني طالعت في وجوههم الغيورة إرادة قوية، محمودة ومعتبرة في الكشف عن ما بحوزتهم من إرث مخطوط (وثائق ومستندات) يهم تاريخ المنطقة الاجتماعي وغيره…

وعليه، فإن هذه السلسلة الدراسية الخاصة سأسمها بعنوان: “حفريات في تاريخنا المشترك بآسا”، اعتبارا لكون الموضوع الذي سنتحدث عنه سيهم أساسا “القصر” العمران والثقافة والمجتمع… على أمل أن نواليها بعد الاستفراغ من هذا موضوع “الأرض” (الواحة)، و”الزاوية” (الحياة الروجية والعلمية والاجتماعية)… ونسأل الله أن يعيننا في تحقيق المراد وبيان المقصود، وأن نحفظ لكل أحد ذكره (أسرة كانت أو عشيرة أو قبيلة)، ويحفظنا من كل مزالق ومهالك أو سقطات وهنات…

ومن ثمة، وقبل أن أعرج على الأسئلة التي ستوجه بحثنا لا بد من التأكيد أن مناقشات وإضاءات حلقات سلستنا لا تحكمها أية خلفية مهما كانت ما عدا البحث بموضوعية (مرجعية ومقاصد أكاديمية)، وسد بعض البياضات الدراسية الحاصلة حول الموضوع، واطلاع الباحثين حول جديد نتائج ما تحصّلَ لدينا –بشواهد وثائق محلية وغير محلية- من معلومات وإفادات… كما لا يفوتني التنصيص في معرض هذا الاستهلال للحلقة الأولى من السلسلة من الإقرار على أن تاريخنا مشترك ومتعايش، وقد بنته سواعد الجميع على اختلاف ألوانها وأجناسها العرقية، وتناغمت فيه دينامية فعاليتها جدًّا وكدًّا حتى جعلت هذه الأرض تسرق الأضواء و”الشيعة” في التاريخ على مر بعض عصوره وفي الرحاب ومختلف أحواز المناحي القريبة والبعيدة… وأنه لم يكن البتة ملكيةً لأحد دون الأخر حتى يسعى إلى الاستفراد به وبماضيه وفرض ممارسة الوصاية الثقافية والعلمية عليه اليوم، بل إننا نعتبره مُلكًا وطنيا وإنسانيا يتعدَّى حدود حواجزنا النفسية والمحلية الضيقة.

وقد اقتضت الضرورة الإجرائية والمنهجية لهذه السلسلة الدراسية الخاصة أن تنطلق من مجموعة من الأسئلة المتدرجة التي ستكون مدار فصول مباحثها وتقديم ما يلزم من الإفادة والخبر التاريخي بشأنها…

فما القصر؟ ومن بناه وفي أي ظروف نشأ؟ وما هي أول الإشارات التاريخية المكتوبة الدالة على حدوثه وظهوره؟

من هم سكان القصر أو “أهل القصر”؟ ولمن تعود ملكيته؟ وهل هو وقف على أسر محددة وفروع قبيلة أم عكس ذاك؟ وما هي الشواهد المكتوبة (الوثائق) المعززة لهذا الزعم أو ذاك؟

هل القصر ميرات إثنية عرقية مفردة ووحيدة؟ أو موقوف على جنس بشري (لون) خاص؟ أم أنه ميراث تاريخ حضاري جماعي متعدد ومتنوع؟ وما هي الشواهد المكتوبة (الوثائق) الحاسمة لهذا الأمر ومساجلاته؟

ما ثقافة أهل القصر؟ وهل هي حبيسة لبوسٍ ثقافي وألسني مفرد ومعين بالتخصيص؟ أم أنها متعددة ومتنوعة؟ وصنيعة الفعل الجماعي المشترك والمتلاقح والمتعايش والمتساكن؟ وما هي الشواهد المكتوبة (الوثائق والمستندات) الدالة على هذا أو ذاك؟

ما الغاية المرتجاة من طمس التاريخ والوثائق المتعلقة بتاريخ القصر وأملاك العقار فيه أساسا؟ وهل نحن قادرون حقا على الجرأة في بيان ذلك؟ وإظهار جلائه؟ وجعله قيد التداول الدراسي؟

هل بالفعل نملكُ إرادة قوية للالتفاف جميعا على حماية هذا القصر التاريخي، وتقديم كل ما يلزم من أجل خدمته، وتثمينه، والتعريف به على وجه موضوعي وأكاديمي يحفظ للأجيال القادمة ماضيه بعيدا عن تجاذبات الأنانية والعنصرية والأهواء والتوظيف غير البريئ له في بعض الحسابات الناشئة عن الحساسية المفرطة وارتفاع منسوب الخلفيات الإديولوجية فينا؟

هذه الأسئلة ستشكل –بحول الله وقوته- موضوع محاور حلقات سلسلة “حفريات في تاريخنا المشترك بآسا” التي نسأل الله أن يرشدنا فيها إلى سبيل الصواب، مع أننا لا نخفي حجم قصورنا وحدود اجتهادنا في ركوب هذه المغامرة التي نتمنى من الإخوة الباحثين والمتابعين (أصدقاءً وخصوما) إبداء ملاحظاتهم وتسجيل تعقيباتهم لعلها ترشدنا وإياهم فيما يخدم بعض جوانب هذا التاريخ المغمور من إرث مجال استقرارنا اليوم على نحو تسود فيه روح الهم المشترك المتآخي المؤتلف لا المتعصّب المختلف.

فإن وفقنا في ذلك، فذاك هو المطلب والمنى. وإن وقفنا دون ذلك، وتعثر بنا القلم والقرطاس، فشفيعنا نية الاجتهاد والمحاولة، والمجتهد مأجور أخطأ أو أصاب.

وبه سبحانه وتعالى نستعين على مغالبة كل تحدياتنا الدراسية والعلمية المطروحة.

(يتبع…)