العيون الآن

بقلم : الأستاذ و الباحث السيد “سليمان العسري”

(إهداء لأرواح الأبرياء الطاهرة ، والذين قضوا نحبهم احتراقاً داخل حافلة يومه الجمعة 10أبريل 2015 ،رحمهم المولى عزًّ و جلَّ، وأنعم عليهم مع النبيِّين والصِّدِّيقِين والشُّهداء).

لقد قِيلَ الكثيرُ عن موسم طانطان من قِبَلِ مُتتبِّعين ، مُهتمِّين ، فاعلِين في الحقل الجمعوي وغيُّورِين على الإقليم ، غَيْرَ أني سأحاول تسليط الضوء على جوانب من المؤامرة ، والتي تداخلت خيوطها بوضوح تام على مدينتي(الطَّنطان) وساكنتـها إِثْرَ هذا الحدث الهَامِّ.

فالحديث ُ عن أَلْمگار الطنطان يعود بنا لعقود سالفة من الزمن ، بداية السِّتِّينِيات من القرن الماضي بمنطقة الذْرَاع ْ( قُرْبَ ضريح الولي الصالح الشيخ محمد الأغظف) المحادية للإقليم ، والتي احتضنته بشكل تلقائي وموسمي ، مِمَّا أصبح معه الطنطان مركزا إشعاعيًّا مميَّزاً في المجالات المختلفة:

الإنسانية ، الثقافية ، التجارية ، العلمية…مُجسِّدا بالدرجة الأولى مظاهر الحياة الصحراوية بتقاليدها وعاداتها دون(مكياج أو روتوشات)، تَحُجُّ صَوْبَهَ القبائل جميعُها من كل فَجِّ ، لـيَتَبَوَّأ الإقليمُ الشُّهرةَ العالميةَ آنذاك بفعل الحضور الإقليمي النَّوْعِيِّ لدول الجوار:

اسبانيا ، الجزائر ، موريتانيا ، مالي ، السينغال… غَيْرَ أَنَّ المؤامرة ستُرخِي بظِلالها على القضيَّة بداية السبعينيَّات الماضية ، لـتشْرعَ في بسط خيوطها ، حيث تمَّ إيقافُه (ألمگار) بتبريرات عِدَّة (والحقيقة المغيَّبة هي أنّه في ذاك الوقت بإمكان رفاق الولي مصطفى السيد الوصول إلى الطنطان بسهولة كما حدث في أواخر 1979، وتلكم قصة أخرى)،ومنذ أُوقف تلك الفترة بدأت أصوات أبناء البلدة خاصة الأطفال الذين أصبحوا فيما بعد شباباً تتعالى بغرض إعادة إحيائه،ويسعون بإلحاح إلى مبادرة بعث هذا الموروث للوجود مرة أخرى ، وسرعان ما ستتلقَّف الفكرةَ جهاتٌ(لا علاقة)،ليتمَّ تنظيمه مجدداً ابتداءً من سنة 2004 ، ولكم أن تتمعَّنوا في أول خيط من المؤامرة عملاً بتغيير الاسم أولاً من ألمگار الطنطان إلى موسم طانطان ، ثانياًّ المكان من الذراع إلى ساحة(السلم والتسامح) التابعة لجماعة ابن خليل ، ولم يقف الأمر هنا بل بتحديد توقيت غير مناسبٍ إرضاءً وحُباًّ في وجوه لا صلةَ تربطها بالبدو والتراث الصحراوي اللامادي ، ودون مراعاة الهدف الأسمى منه عبر استرجاع عادات الأجداد وتنمية الإقليم بمعنى الكلمة.

ليظهر خيط ثان من المؤامرة محاولاً تشويه ألمگار بإقحام أنشطة لا تخدمه تماماً ، ولا تُعنى بالموروث الثقافي من قبيل:

الكرنڤال ، سهرات الصَّخب ، جولات ضيوف الخمسة نجوم وما يصاحبها … ومباشرة بعد تصنيفه من طرف اليونيسكو كتراث شفهي لا مادِّي يلزَم الحفاظ عليه نُسِج خيطٌ ثالث (دائما في إطار المؤامرة) تميَّز بتهميش وإقصاء كفاءات وأطر الطنطان من عضوية(المؤسسة المسيِّرة) من شأنها المساهمة كلٌّ من موقعه بالابداع وإضفاء طابعِ أفكارٍ سيستفيد منها ألمگار لا محالة ،لتظلَّ دار لقمان على حالها في كل الدورات المتتالية ، فيرتبط الموسم بالروتين والضجيج وتضييع الأموال وأمور أُخرى أفضحُ وأقبحُ … دون أن تنعكس مسألة بعثِه إيجابا على المدينة المنكوبة ، أو على شبابها المعطَّل أو يستفيدُ منه البدو ومربُّوالنوق والجِمال ، وذلكم الخيط الرابع ، مِمَّا زاد من تفاقم مشاكل مدينتي الهادئة المعروفة بجوها الساحر ، وهوائها النقي ، ومائها العذب.

غير أنَّ مايثِير السَّخط أكثر والحزن الشديد هو الخيط الأهم من المؤامرة ، فبدل أن تَتِمَّ إقالة المسؤولين(من بينهم وزراء) عن فاجعة الشبيكة بالطريق الوطنية رقم واحد والتي راح ضحيَّتها فلذات أكباد سنة 2015 ،أو على الأقل حَجْبُ الموسم تلك السنة احتراماً لمشاعر أسر الضحايا تَمَّ تنظيمه مباشرة بعد ثلاثة أيام من ذكرى أربعينية الشهداء مع إحياء سهرات العُهر والموسيقى في الشبيكة ، مكان لا يبعد إلا بعشرات الأمتار عن موقعة الحادثة.

ليتلقَّى الموسم الضربة القاضية متمثلة في سلبيات الدورة الماضية من خلال التَّسمُّم الجماعي الذي أصاب ضيوف الموسم الأجانب ، ومحاولة انتحار إحدى بنات الطنطان وقتَ عرض الكرنڤال دفاعا عن حقوق والدها المهضومة ، زِدْ على ذلك الهجوم الوحشي على المعطلين(إثر قيامهم بوقفتهم المنتظمة سبت كل أسبوع) أمام أعين الساكنة والزوار.
يبدو أن خيوط مؤامرة اليوم لن تنتهيَ ، ولذلك سأقف عند هذا الحد…
وإلـــــــــى مؤامرة قادمــــــــــــــــة.