تدوينة “اقتحام…” بقلم بشري اكدير

العيون الان

تزوجت حليمة من رجل أيم فقد زوجته توفة على إثر نفاس راحت ضحيته هي و وليدها الذي انتظرته بفارغ الصبر.
لم يكن سن حليمة محددا بالضبط، فحسب ما هو مدون بسجلات الحالة المدنية، التي لا تكون دقيقة بفعل تقدير واجتهاد “الكتبة” الذي لا يخلو عادة من زلل.
فكما هو معلوم فالخضوع للسجلات الرسمية واستخراج الوثائق الثبوتية حديث لدى أهل الصحراء القادمين من قفار البادية صوب التمدن قسرا.
كانت على مشارف الأربعينات، فتأخر الحمل حولين كاملين، فبدأ الغمز واللمز على مسامع الزوج لتطليقها واستبدالها بشابة تنجب له البنين، بعدما رزق من الراحلة توفة بأنثيين. بل إن الأمر وصل ببعض النسوة حد القول عنها بأنه “جابها مبورة” و اتهامها زورا بأنها “لا تحيض”!!! فكيف بالحمل؟!!
وليحق الله الحق ويبطل الباطل، حملت حملا خفيفا فمرت به، فوضعتها أنثى، فاستقبلها المحيط بتهاني أقرب ما تكون إلى التعازي، بفعل نظرة جاهلية للأنثى ما تزال ممتدة في حاضرنا.
“مباركة الحطابة” وتارة للزوج “شكيفك مع الدمغة” هكذا عبروا لهم. ناهيك عن غيرها من التعابير البلهاء الجارية على ألسن كثير من العامة في بلادنا، دون أن يعنيهم أمر الوليدة وأهلها في شيء.
فالزواج والطلاق كما الإنجاب والعقيقة والسكن وتمدرس الأبناء والمصاهرة و غيرها من التفاصيل و”الاستحقاقات” العائلية بل واﻷسرية الحميمية باتت شأنا عاما و جماعيا، يدلون فيها بدلوهم، دون استشارة أو طلب نصيحة.
هكذا تقتحم العامة عندنا حيوات (جمع حياة) الناس الخاصة.
فأجاءها المخاض ثانية فوضعت أنثى، فاستلت المتقولات ألسنتهن من جديد ب “العيب” والدعاء عليها بالويل والثبور، فقالت لها إحداهن وهي بعد ترقد بالمستشفى “يعطيك اللي يرفدك…” وبصوت هامس أقرب إلى التمتمة “يتبعك ل توفة يا خيتي ما كل ما خسر”.
“هوي يا ذا من الطافيلات هوي هوي” نطقت أخرى مشيرة بأصابعها إلى الأخريات حاملة شعار “رابعة”.
بل تفتقت مواهب البعض للادعاء بأن بنات “أهل….” لا ينجبن إلا الإناث. وقد يحدث أن يدلي بعض “الرجال” لماما بدلوهم في الموضوع تندرا واستهزاء.
أما الزوج المكتوي بنار الفقد لزوجه الأولى فلم يكن متمنيا على الله، إلا أن يرزقه كمال الصورة وتمام الخلقة، والهداية والصلاح للبنات، فكل شيء “عنده بمقدار” مصداقا لقوله تعالى.
كانت حليمة متأثرة بما يدور حولها من أقوال وأحداث، حدا تنهمر بوقعه الدموع من عينيها حينما تخلو بنفسها. غير أنها سرعان ما تستغفر و تؤوب إلى صبرها ويقينها باعتبارهما الملاذ الآمن لها في ظلمات واقع الناس البائس البئيس.
حملت للمرة الثالثة فخابت التوقعات هذه المرة وحصلت المفاجأة…
فتحقق الأمل المنشود أخيرا، فإذا هي شاخصة أبصار “الشوافات” فوضعت حليمة توأما ذكرا…
وأخيرا، عمت الفرحة قلبها واغرورقت عيناها بدموع الشكر والرضى للواهب الوهاب.
غير أن فرحتها لم تتم، إذ فارق زوجها دنيا الناس، والتحق بالرفيق الأعلى بفعل حادث سير قاتل، لتتولى تربية البنين والبنات في مجتمع لا يرحم، في انتظار بدء سلاسل جديدة من الاقتحامات الفجة لحياة الأرملة…

Leave A Reply

Your email address will not be published.