العيون الان

 

يمضي يومه متجولا بين المحلات التجارية والشوارع والسوق، باحثا عن أشياء لا يعرفها أحد.
فكلما رأى جمعا من الناس مجتمعين اقترب منهم دون أن يكلمهم أو يسلم عليهم.
بل يكتفي بالإشارة إليهم بيدين مجتمعتين متصافحتين، ثم يمسح بهما صدره، ويجلس القرفصاء بقربهم يستمع لأحاديثهم موزعا نظره بين المتحدثين، ثم ينصرف إلى جمع مماثل وهكذا…
ويشهد البيوع في السوق ويرفع يديه إلى السماء متمتما بأدعية لا يسمعها أحد، وإن سمعها لا يفهمها.
خليط لغوي من غريب اللفظ، مسجوع العبارات وممضوغ المخارج.
بينما يعتكف ببيته آخر النهار، لا يبرحه حتى تشرق الشمس في اليوم التالي.
يعيش وحيدا ببيت متواضع، ولا يقوم بخدمته أحد، ويشاع في البلدة أن خدمه من الجن.
وعصر كل يوم، تنبعث من بيته روائح الأبخرة والأعشاب.
ولما يدبر النهار ويقبل الليل، تحج أفواج من الناس من كل الأعمار والأجناس، آتين من كل فج عميق إلى بيته تترا.
مقيمون ووافدون على حد سواء، فشهرته بلغت الآفاق.
فكلما تطلع أحدهم إلى أمنية أو تعويض أو ترقية أو ما شابه، أسرع في الاتصال به واستعجل لقاءه…
يحكي الناس عنه، أن كل الحوائج (جمع حاجة) عنده مقضية.
فهذا يريد بطاقة إنعاش/”كارطية”، وهذه تستعجل زوجا بعدما عز النصيب.
وذاك يبغي وظيفة، وتلك تنشد تدخلا عاجلا لدى مسؤول كبير، وهذان زوجان يحلمان بالإنجاب.
وهؤلاء يخططون للاستيلاء على أرض بدون مالك، وأولئك أضناهم البحث عن الكنوز، ونبش اللحود، وانتهاك حرمة الموتى.
وجمهور من “علية القوم” انقسموا ببن فريقين؛ فريق طامح للرئاسة والتمكين في الانتخابات، وآخر طامع يمني النفس بنيل المناصب.
لم يكن حديثه، يشبه الكلام، ولا يكلم الناس إلا رمزا.
رموز يحار عوام الناس في تأويلها، وحينما يسأله أحدهم يجيب ببعض آي القرآن.
لا يقصد المسجد إلا نادرا، ويتخذ لنفسه مظهرا فريدا.
فمذ عرفه الناس وهو يتخذ من البياض لباسا.
لا يستبدله إلا بلباس شبيه.
جلباب أبيض وعمامة بيضاء، ملفوفة على محيط الرأس، يطل من وسطها شعر كثيف أبيض.
قصير القامة نحيل الجسم، أشج الجبهة واسع العينين، ذو أنف مقوس، وثغر واسع، كلما فتحه بدت أنياب فضية في الجانبين الأيمن والأيسر من فكه العلوي، ذو لحية شهباء.
يقسم أكثر من عرفوه أن منظره لم يتغير منذ عقود، لا يهرم ولا يشيخ!!!
لا يعرف له موطن ولا أصل في البلدة، غير أنه “شريف من أهل مولان” استقر بالبلدة بعيد خروج النصارى.
ويشهد أكثر الناس أن “قدرته” في فك السحر وإبطال “العمل” (بتسكين الميم) لا تضاهى.
يبذل زبناؤه المال الوفير، والهدايا والقرابين تقربا إليه للظفر بما يطلبون…