العيون الان

حمودي اخطور

سيدتي :

– لم يعد هناك ما يدعو للخوف، ها أنا ذا أفعلها وأفي بنذري لكِ بعد كل هذه الحيرة والتردد أصرخ بإسمكِ، معلنا عن حبي لكِ.
-نعم فعلتها أخيرا يا جبانة إرضاءً لجنوني ولغروركِ الأنثوي، و بنفس الاندفاع أصرخ في وجوه أولائك الذين وصفوني يومها بالمبتذل، فالبوح بالمشاعر هنا في هذه البلاد الجافة جريمة تُقترف في حق طوطم الرجل المشرقي الذي يأبى الإنكسار، ها أنا ذا أضرب كل هذا العنفوان القريشي البليد عرض الحائط لأقولها مرة أخرى ملء فمي؛
-أحبكِ
حين أقولها بكل هذا الصدق أحسكِ بكل ماتحملين من برود وحرارة، ويأس وأمل، وفرحٍ وحزن تسرين في دمي كدفقة حياة، لأجدني بعد كل سنوات الموت أغدو كمومياء فرعونية قابعة منذ الاف السنين في تابوتٍ مظلم تنتظر فرصتها الآخيرة لترى النور في متحف اللوفر العالمي .
– إزيسٌ أنتِ…جمعتِ توارخي ولملمتِ شظايا قلبي المتناثرة فوق تفاصيل اللهفة.
أتعلمين يا عزيزتي ..؟
-أحس أننا التقينا منِ قبل خطيئة جدنا الأولى، فأنت الخطيئة التى لا أريد أن أتوب عنها، هناك شيٌّ يَجعلُ كلَّ كلمةٍ تكتبينها تعود بي الى ذاتي المفقودة داخلي، أتعثر بي في كلُّ حرفٍ تبعثين لي به، كل حرف يرسمُ لوحة وجهكِ الملائكي..هناك عذابٌ فارغٌ يتقاذفني كل لحظةٍ قبل أن تأتي همستك الآسرة في قلبي كطوق نجاةٍ سقط من السماء على غريقٍ تسترسله الأمواج المتواصلة.. لا أعرفُ إن كان من اللّازمِ علي أن أخافَ من كلِّ هذه الفوضى الهادئة المنظمة في عشوائيتها التي تملؤني مذ صادفتكِ على حافةِ الزمان العابر، بأخر مرفئ غدت حقيبتي فيه ثقيلة جدا بأبعاد الهوى.
لكن الوحدة أيضا تدعو الى الخوف يا عزيزتي،
أليس كذلك..؟
الوحدة قاتلة، والوحشة ذابحة، والشوق حارق لا يطفئ ناره ماءُ كلمةٍ باردة، بل نارٌ أخرى لحضنٍ اكثر حرارة من حمم الشوق نفسه، أتخيلكِ هاهنا تلعبينَ لوحدكِ، تداعبين شعركِ الكستنائي باناملك، تهربينَ منكِ الى اللاَّشيء، تقتلين العزلة وتحاربين الإنطفاء في قبو النسيان الرطب.
باردةٌ هي شمس الإنتظار يا سيدتي حين لا تشرق على بريق عينيك، جامدةٌ هي الكلماتُ في غيابكِ، أنا أيضا مثلكِ أمارسُ العاب الأطفال في وحدتي، أحنط اليأس كي لا تتوسع دائرته داخل خلدي.
الوحدة وحشٌ مخيف ينهش أجسادنا الهزيلة، يزرع اليأس في طريق أحلامنا البسيطة، ويجثم ظلام الليلِ من جديد ليُغَطِّي غُرفتكِ الصغيرة، حيثُ لا صوت هناك غير صُراخِ الوحدة المنتشر، لتبدأ طواحين الأجفان حروبها مع الذكريات .
– المشاعر يا حبيبتي سِرٌ كوني عميق كالموت، لا تُصْنعُ في الصين ،،،!! بل تُنْفَثُ في الروح دون إذنِ صاحبها.
ربما إلتقينا عن طريقِ الخطأ في طابور الملعونين الذين لم يحالفهم الحظ في الحب … لكننا حتما في رحلةِ الجنون المدبرة عبثا التقينا لنكتب حكاية عشقٍ بدون مقدماتٍ ولا بداياتٍ رتيبة، فبعضُ البدايات لا نصنعها نحن ، هي من تفعل ذلك، تَشْتَعِلُ فَجأةً ودون شراراتٍ تقليدية، دون حتى برتوكول تواصلي مسبق، تماما كثورةِ رقِيق أفريقية قامت على ظهر سفينة أوربية لتنهي مسلسل الإستعباد الطويل__ وتغرق السفينة

غارقٌ أنا فيكِ حتى الموت.