العيون الان

الشيخ بوركبة: باحث في القانون العام
رئيس جمعية مثقفون من أجل الديمقراطية والتنمية
” دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في محاربة التطرف الفكري ”
تعتبر ظاهرة التطرف الفكري من أخطر الظواهر التي تهدد الأمن والسلم الدوليين بالمجتمعات، ويعرف التطرف بأنه الغلو في عقيدة أو فكر أو مذهب أو غيره مما يختص به جماعة أو حزب، ويعرفه الأستاذ محمد أحمد عبد الخالق بأنه ميل أو إنحراف سلوكي تدميري، تحرف فيه المبادئ، وتعطى قيما عكسية تتمثل في محو الآخر، كما تعرفه أمينة الجندي بأنه الإفراط والغلو والتشدد والتزمت، سواء في الفكر أو السلوك أو كليهما، ومن ثم فالتطرف هو مجاوزة حد الإعتدال مع الإفراط، بمعنى تجاوز الأطر الفكرية أو المعايير السلوكية المقبولة في المجتمع.
ولهذا فإن التطرف الفكري لا يهدد أشخاصا أو قبيلة أو دولة فقط بل يهدد العالم أجمع والإنسانية بالدرجة الأولى، ولو أردنا البحث عن أسبابه ودواعيه لوجدناها بالدرجة الأولى غياب التنمية الأسرية والسياسية والثقافية، فكثير من الناس بل والأغلبية المطلقة تظن أن أسباب التطرف الفكري تنحصر في سببين هما “الفقر والجهل” في حين أن أسبابه كثيرة وعديدة من بينها: غياب الأسرة عن لعب دورها في التوعية والرشد والتوجيه وترسيخ الأخلاق الحميدة التي تكمن في ثقافة الإختلاف ونقصد هنا إختلاف الأديان والأجناس والألوان والطبقات وليس الإكتفاء بتوفير المأكل والمشرب دون أية مراقبة للأبناء أو صحبتهم، أيضا تدهور منظومة التعليم من بين الأسباب التي تساهم في خلق شبكات وعصابات ومنظمات داخل المدارس والجامعات والمعاهد من شأنها زرع الأفكار المسمومة والهدامة التي تؤدي إلى خلق العقلية ” الدوغمائية” التي تعني حالة من الجمود الفكري والتصلب والتزمت والتعصب بشكل مطلق ورفض الأراء المخالفة وإدعاء امتلاك الحقيقة الكاملة الناجزة، حتى أغلبية أساتذة التعليم لم تعد لهم تلك الهبة الربانية ووصف الأستاذ المربي إلا من رحم ربي من الأساتذة أصحاب الجسارة والمبادئ والفكر المتجدد والذين يزرعون في التلاميذ والطلبة حب الوطن والمحافظة عليه ويدلونهم على المورد العذب الذي من خلاله يحاربون التشدد والغلو في الدين والمعتقدات التي يرسمها أصحاب الفكر المتطرف، لأنهم ينشرون أفكارا خطيرة عن الدين حيث يوهمون المنتمين لهم بأن قتل الأبرياء والكفار مصيره الجنة وأن كل من يقوم بهذا الفعل هو شهيد تنتظره الحور العين في الجنة، وأن كل من يخالف فكرهم وهواهم هو نجس ويجب التخلص منه بالإبادة إلى غير ذلك من الأفكار السلبية والخطيرة التي تهدم الأسر والأمن والسلام بالدول، وبالتالي يأتي دور الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني في كشف الحقائق وزرع الأفكار السليمة والقيم التي من شأنها المحافظة على تعدد الأديان وممارسة الشعائر الدينية لكل واحد سواء كان مواطنا أو أجنبي كما نص على ذلك الفصل الثاني من الدستور المغربي ” الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية “، فدور الأحزاب السياسية يكمن في خلق ندوات وملتقيات وورشات ودردشات على مدار السنة بمختلف المواضيع، خاصة تلك التي تلامس واقع الشباب من أجل التعبير عن آرائهم ومواقفهم بكل حرية والأخذ بها والإنفتاح على همومهم وفهم مشاكلهم وإيجاد حلول لها، لأن شباب اليوم ضال حائر أفسد المستبدون أنسجتهم، تتكالبه المعوقات والمشاكل النفسية ولا يجد متنفسا ليبرز فيه ويعبر فيه عن موهبته وبالتالي يتم إستغلاله من قبل أصحاب التطرف الفكري لأغراض دنيئة باللعب على فراغاتهم النفسية والمادية والعاطفية، ولا يتم خلق ندوات أو حملات تحسيسية بخطورة التطرف الفكري والعقوبات التي تنتظر كل من يحمل فكرا متطرفا في الدنيا والآخرة، وحتى الأحزاب السياسية لا تعمل جاهدة على تسخير إمكانياتها من أجل التوزيع العادل للثروات والإهتمام بالمواطن الفقير البسيط الذي أنهكته البطالة والجوع والتسول والمخدرات في الأزقة، وأغلبية الأحزاب السياسية لا تلتزم ببرامجها على أرض الواقع إلا القلة من الأحزاب المحافظة والمواكبة لمستجدات الساحة الوطنية والدولية، مما يتولد لدى المواطن الكره الشديد للأحزاب السياسية والمسؤولين الذين تنكرون لهم بإعطائهم الوعود، وهنا يشير الأستاذ محمد بن النصر إلى مسألة مهمة وهي الحرمان النسبي من الخدمات والمزايا حيث أن التوزيع غير العادل من عائد التنمية للدخل القومي بين أبناء المجتمع يجعل شرائح إجتماعية أكثر إستعدادا للتطرف وممارسة العدوان بوصفه أحد السبل المتاحة للتعبير عن موقفها، وبالتالي يجب على الأحزاب السياسية أن تدق ناقوس الخطر وتجدد هياكلها وتهتم بتشبيبها وتمول الأنشطة وتدعم المنخرطين بها، خاصة وأن الدولة تدعم الأحزاب السياسية من أجل التأطير والتكوين، وتنفتح على المواطنين بشكل أكبر وتجعل مقراتها مفتوحة يوميا أمام الجميع لجعل الحزب السياسي مدرسة يتم فيه إنتاج الكوادر والقادة والمفكرين وتحفيزهم على حب الوطن.
كما أن المسؤولية لا تتحملها الدولة أو الأحزاب السياسية فقط بل حتى هيئات المجتمع المدني هذا الشريك الذي أصبح يلعب دورا كبيرا في رسم السياسات العمومية وفي التنمية والتوعية، وذلك بالإنفتاح على جميع شرائح المجتمع بخلق ندوات وملتقيات في مواضيع متنوعة ترسخ روح التعاون ومبادئ حقوق الإنسان وإحترام الآخرين وأن تتواصل مع المجالس المنتخبة والسلطات المحلية من أجل إشعارهمة بأي خطر يهدد سلامة المواطنين وأن تحارب الفكر المتطرف وكل من يروج له، لأن عدد الجمعيات بالمغرب بلغ 130 ألف جمعية حسب التقرير السنوي للوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني سنة 2016، مما يستلزم خلق ديناميكية فكرية تؤسس لبناء الفكر المتجدد والإبتعاد عن الفكر المتعصب، ودعم الجمعيات التي تشتغل على مدار السنة في التأطير التكوين وجلب أبحاث وإحصائيات من شأنها أن تحدد مكامن الخلل وتأتي بالحلول.
وإذا رجعنا لتعاليم الإسلام لوجدناها تحث على التسامح والتعايش واحترام الآخرين وتقبل أفكارهم ودياناتهم، كما قال عز وجل: ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم” أي أن الناس أحرار في إختيار دينهم وليس لأي أحد صلاحية الإكراه في فرض دينه على الآخرين، لأن الله من خلقهم وهو من يحاسبهم، فالدين الإسلامي لم يأمر بالتطرف الفكري ولا بالتعصب المذهبي بل حث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا نستشف دور الفقهاء والمشايخ وعلماء الدين الذين من واجبهم شرح تعاليم الدين الإسلامي بالليونة والبساطة بدل التشديد والترهيب، حتى وسائل التواصل الإجتماعي أصبحت تشكل تهديدا وتأخذ منعطفا كبيرا حينما تقوم بالترويج للتطرف وزرع الفتن عبر الحسابات الوهمية والصفحات المشبوهة أو التي لا يخاف أصحابها من أي متابعة قانونية أو قضائية في حقهم، ويؤيدون الأفعال الإرهابية والجرائم ويسبون الإسلام رغم أن الإسلام من الثوابت الأساسية للمملكة ويحتقرونه، مما يؤكد أن أصحاب الفكر المتطرف لا ديانة لهم ولا مبادئ بقدر ما همهم الوحيد والأوحد نشر التعتيم وزعزعة إستقرار الدول والإستهزاء بأفكار ومعتقدات الآخرين، وكل ما نشاهده من جرائم شنيعة وذبح للأبرياء وقتلهم يجعلنا نرجع لتصنيف العالم الإيطالي “سيزاري لامبروزو” الذي صنف المجرمين عبر خمسة تصنيفات هي: المجرم بالفطرة والمجرم المجنون والمجرم بالعادة والمجرم بالصدفة والمجرم بالعاطفة، أي أن أغلب المجرمين الذين يقومون بقتل الأبرياء ويحملون فكرا متطرفا لا يكون الدافع هو الدين أو المال أو الشهرة بقدر ما يكون الدافع هو تطبيق تلك الأفكار المتطرفة على أرض الواقع دون إستحضار الضمير أو العقل أو الجزاء على ذلك الفعل.
والمغرب وإن كان والحمد لله ينعم بمنظومة أمنية رائدة ومتمكنة في محاربة الإرهاب وتعاقب على التطرف الفكري والتعصب كما نصت على ذلك الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل 23 من الدستور المغربي ” يحظر كل تحريض على الكراهية أو العنصرية أو العنف”، فإن مظاهر التطرف الفكري نادرا ما نراها وذلك لتنوع ثقافاته ولهجاته ووعي المواطنين والمواطنات بواجباتهم في الحفاظ على ثوابت الأمة في الإستقرار والأمن والأمان، مما يلزم الدولة على الإنفتاح أكثر لتطلعات الشباب وتلبية مطالبهم خاصة فيما يتعلق بقطاع الشغل، لأن البطالة أم الرذائل تجعل الشباب ينحرف عن القيم وتكثر معدلات الجريمة والسرقة والأفكار الهدامة، وكلما إهتمت الدولة بالشباب وقامت بتوفير فرص الشغل ودعم المقاولات والتوزيع العادل للثروات إلا وتقل معدلات السرقة والجريمة والهجرة إلى الخارج.
فعلى الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني أن تقوم بدورها المنوط بها بتأطير المواطنين والمنخرطين وجعل مبادئ التسامح وتقبل الآخر والنضج الفكري جزءا لا يتجزأ من الأنشطة التي تقوم بها لأن الإنسان المسلم هو سفير لدينه ولدعوة نبينا محمد، وهنا أستحضر قولة الداعية الإسلامي أحمد ديدات رحمه الله:
أشرس أعداء الإسلام هو مسلم جاهل يتعصب لجهله ويشوه بأفعاله صورة الإسلام الحقيقي ويجعل العالم يظن أن هذا هو الإسلام.