1. العيون الان

الشيخ بوركبة باحث في القانون العام

دور مواقع التواصل الإجتماعي في توعية المجتمع
تعتبر مواقع التواصل الإجتماعي من الوسائل التي تسمح للفرد أن يعبر عن رأيه وفكره وأن يربط علاقات مجتمعية عن طريق التعارف ومناقشة القضايا الوطنية والدولية والإطلاع على المستجدات ومشاركة صوره وتطلعاته مع الأصدقاء والإستفادة من تجاربهم وخبراتهم في المجالات الإجتماعية والثقافية والسياسية والإقتصادية والدينية، وقد إحتلت مواقع التواصل الإجتماعي في السنوات الأخيرة أهمية كبيرة جدا لدى مختلف الأعمار سواء الشباب أو الأطفال أو الشيوخ، لما تلعب من دور في نشر المعرفة ومحاربة الإكتئاب ونشر السعادة والتوعية بين الشباب.
ومن أشهر مواقع التواصل الإجتماعي، موقع الفيسبوك الذي بلغ مستخدموه لأكثر من 2 مليار مستخدم وهذا العدد يتضاعف كل يوم بالمئات، وهو أشهر المواقع الإجتماعية وأبرز الوسائل التي أحدثت حراكا سياسيا واجتماعيا خلال السنوات الأخيرة، وذلك راجع لسهولة إستخدامه والإمتيازات التي يقدمها لمستخدميه من أجل نشر تدويناتهم والدردشة مع الأصدقاء وتقنية البث المباشر والمناقشة داخل صفحات ومجموعات، إضافة إلى ومواقع أخرى تلعب نفس الدور مثل التويتر وسكايب والأنستغرام والوتساب أو غيرها، وللحديث عن دور مواقع التواصل الإجتماعي سنحاول الحديث عنها بعدة مجالات إجتماعية وسياسية ودينية.
فعلى المستوى الإجتماعي فهي تتيح للأفراد التواصل بكل حرية والتعبير عن أرائهم وأفكارهم ومناقشة الظواهر والمستجدات وكل ما يقع محليا ووطنيا ودوليا، مما يتولد لدى الفرد أفكار وقناعات من شأنها تعزيز رصيده المعرفي وتتيح له إمكانية التعرف على الأشخاص الذين كان يسمع بهم فقط في الشاشات ووسائل الإعلام والتواصل معهم، إضافة إلى أنها تقرب المسافات وتسهل الإتصال مع جميع الأفراد حول العالم مجانا عن طريق الأنترنت كأنك جالس معهم، وقد ساهمت مواقع التواصل الإجتماعي بشكل كبير في خلق علاقات تعارف وصداقة وزواج، لأن أكثر أسباب علاقات الزواج اليوم لم تعد تلك العلاقة التقليدية، بل تطورت مع تطور التكنولوجيا بحيث تتيح للشباب البحث عن الزواج في مواقع التواصل الإجتماعي ومعرفة الطرف الآخر عن قرب دون الإلتقاء معه واقعيا، إضافة إلى دورها في محاربة الروتين والإكتئاب والتوحد وخلق جو من الترفيه والسعادة بمشاهدة المقاطع المضحكة ومنشورات الأصدقاء والتفاعل معهم، إضافة إلى دورها في تحقيق التكافل الإجتماعي، وذلك عن طريق طلب المساعدة المادية من طرف الأشخاص المحتاجين والجمعيات الخيرية التي تطلب الدعم من الأصدقاء وتقدمه للأسر المعوزة وشراء الأدوية للمرضى عن طريق وضع حسابها الخاص أو على الأقل التضامن معهم بنشر الطلب على المواقع الأخرى، إضافة إلى كونها منصة ومكتبا ومنبرا لمن لا منبر له، حيث تتيح للمستخدم التحدث مع الأصدقاء مباشرة بتقنية الفيديو من أي موقع كان والتفاعل من طرف الأصدقاء، مما يشكل حلقة وصل ووسيلة لمناقشة مختلف المواضيع دون أي تكلفة، كما تلعب دورا كبيرا في توعية المجتمع عن طريق التحذير من الآفات والمأكولات السامة والأمراض المنتشرة وكيفية الوقاية منها، كما تسمح بمحاربة الفساد وتوثيق الوقائع ومساعدة المظلومين، فقد لعبت مواقع التواصل الإجتماعي في السنوات الأخيرة دورا رئيسيا في الإطاحة بمن يتلقون الرشوة في عملهم أو يقومون بالإبتزاز أويقومون بسب المقدسات الدينية وينشرون الفتنة والإشاعات الكاذبة عبر حساباتهم الخاصة وساهمت أيضا في إيجاد فرص شغل للعديد من العاطلين عن العمل، حيث يقوم الأصدقاء بنشر مباريات التوظيف على صفحاتهم ومساعدتهم في كيفية إيجاد عمل حسب التخصص لكل شخص.
أما على المستوى السياسي فيتجلى دور مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الوعي السياسي داخل المجتمع، عبر التنمية السياسية من خلال دور الأحزاب السياسية وبرامجها والمستجدات التي تطرأ على الساحة الوطنية والدولية، حيث تلعب دورا كبيرا في الحملات الإنتخابية للأحزاب السياسية والتعريف أكثر بالمرشحين وببرامجهم الإنتخابية وكيفية التصويت إلى أخر مرحلة من الإعلان عن النتائج الإنتخابية، وقد ساهمت بشكل كبير في إقامة الحراك العربي الذي عرفته تونس واليمن ومصر وليبيا، حيث قام الشباب بتوظيف الفيسبوك لإشعال الثورة ورفع الشعارات من أجل التضامن والتظاهر، إلا أن إشعال نار الفتنة والثورة كان له الأثر السلبي على الشعوب، والعكس من ذلك تماما فحين قام مجموعة من ضباط القوات المسلحة التركية بالإنقلاب على حكم الرئيس رجب طيب أردوغان وقاموا بنشر إشاعة مقتل أردوغان وحظر التجول في أنحاء البلاد، قامت حينها صحفية تركية بإقناع الرئيس الرتركي بالظهور وإجراء لقاء مصور على الهاتف عن طريق سكايب دعى فيها أردوغان الشعب إلى النزول إلى الشوارع لمواجهة الإنقلابيين وطمان الشعب على صحته فكان ذلك الإتصال نقطة التحول في تركيا ومنه تضامن الشعب التركي والمعارضة مع الرئيس للمحافظة على الشرعية وأمن البلاد.
إن لمواقع التواصل الإجتماعي دورا كبيرا في رسم السياسات الدولية وتوجيهها والتحكم فيها عن بعد، وهذا ما أكده الأستاذ عبد الرزاق الدليمي في كتابه ” وسائل الإعلام الجديد” حيث تحدث عن الأنظمة وطبيعة السياسة الغربية المتبعة نحو دول العالم الثالث، حيث أشار إلى التقريرالذي تمت مناقشته في دورة الكونغرس الأمريكي والذي أكد على ما يلي:
” يمكننا أن نحقق بعض أهداف سياستنا الخارجية من خلال التعامل مع شعوب الدول الأجنبية بدلا من التعامل مع حكوماتها من خلال إستخدام أدوات وتقنيات الاتصال الحديثة، ويمكننا اليوم أن نقوم بإعلامهم والتأثير في إتجاهاتهم بل وممكن في بعض الأحيان أن نجرفهم ونجبرهم على سلوك طريق معين، والذي يؤدي بالنهاية إلى أن هذه المجموعات بامكانها أن تمارس ضغوطا ملحوظة وحاسمة في نفس الوقت على حكوماتها”، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي حين قال” لقد تواصلوا عبر تويتر وفيسبوك وهذ ما أنتج الثورة في مصر”، ليتضح جليا أن مواقع التواصل الإجتماعي تؤثر بشكل كبير على الأنظمة السياسية للبلدان إن لم تتم مراقبتها وتوجيهها بالشكل الصحيح، وتعتمد الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني بشكل كبير على مواقع التواصل الإجتماعي من خلال نشر أنشطتها السياسية وبرامجها عبر تقنية المباشر ومشاركة المواطنين عبر إبداء أرائهم ومقترحاتهم ووضع إستمارات إلكترونية من أجل فهم عقلية المواطنين وطموحاتهم وتطلعاتهم، لذلك يلجأ أمناء الأحزاب السياسية إلى التحدث مباشرة إلى المواطنين عن طريق الفيسبوك لأنه الأكثر تداولا من أجل نيل تعاطفهم واستقطابهم، فبعدما كان الفيسبوك و سيلة لقضاء وقت الفراغ والدردشة أصبح اليوم وسيلة للتسويق السياسي ولتصفية الحسابات السياسية عبر نشر الشائعات والفضائح والأسرار الشخصية من أجل النيل من الخصوم، والملاحظ أن المنشورات التي لها قيمة علمية وتتحدث عن ظاهرة أو بحث ميداني لا يتم التفاعل معها بالحجم الذي يتم التفاعل معه حين تكون هناك فضيحة لشخص أو مسؤول أو إشاعة تنتشر كما تنتشر النار في الهشيم، و تستخدمها الصفحات والمواقع التافهة التي تسعى لأكبر قدر من المشاهدة والإعجاب، والأمثلة كثيرة عن بعض مواقع التواصل الإجتماعي التي توجه الشعب المغربي وتنشر الشائعات والفتن وتسوق للمغاربة أن الأحزاب السياسية هي من تتحكم في صنع القرارت وأنها مجرد أحزاب جاءت من أجل الثروة، كي تبخس عملهم وتجعل الشباب يعزف عن المشاركة السياسية، في حين نجد مواقع أخرى للتواصل الإجتماعي تنشر التنمية السياسية والوعي السياسي وتسعى إلى تنوير الشعب من حيث السياسة الداخلية والخارجية والقوانين التي تنظمها وكيفية إحترامها وتقدم الأجوبة الشافية والمقترحات والحلول التي يحتاجها الشباب اليوم الذي غلبت عليه البطالة والفقر والتهميش.
أما على المستوى الديني فلا يخفى على كل مستخدم لمواقع التواصل الإجتماعي الدور الذي تقوم به من نشر الوعي والمحافظة على الأسرة والتنمية الأسرية والأخلاق الحميدة، عن طريق المنشورات الدعوية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي كلما قرأها قارئ إلا وصلى على النبي محمد عليه الصلاة والسلام واطمأن قلبه، لأن الدافع وراء تدوينه المنشورات الدينية يكون من منطلق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” بلغوا عني ولو آية ” أي أن كل من ينشر آية قرأنية أو حديثا نبويا أو قدسيا فهو يقوم بدوره الدعوي كمسلم، وكم من إنسان كان تائها غافلا عن الله أرسل له صديق عبر مواقع التواصل الإجتماعي مقطعا لقارئ يقرأ القرأن أو لشيخ يتكلم عن نعيم الجنة وعذاب جهنم فتاب من حينها، ولذلك على الشباب أن يختاروا أصدقاءهم في مواقع التواصل الإجتماعي بعناية وأن يقوموا بحظر كل من يشوه الإسلام أو ينشر الفتن والإلحاد، وأن يجعلوا من مواقع التواصل الإجتماعي وسيلة لكسب الحسنات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا ينساقوا وراء الشائعات ونشر التفاهات والفتن والمقاطع الخليعة، لأن كل ذلك يدمر عقولهم ويبلي أجسادهم فتكون تلك المواقع نقمة عليهم، رغم أن الكثير من مستخدمي هذه المواقع التواصلية يجعلها وسيلة لمراقبة الأشخاص وأخذ صورهم ونشر العداوة بين الأقارب والأسر، لذلك فمعدلات الطلاق في إرتفاع مهول بسبب مواقع التواصل الإجتماعي التي يستخدمها البعض للخيانة الزوجية أو البحث عن عشيقة تكون أحيانا مجرد حساب وهمي ينتحله شخص أخر ليفسد علاقته الأسرية ويرسل المحادثة للزوج أو الزوجة، وهنا نكون أمام أثار وخيمة لمواقع التواصل الإجتماعي التي تتحول إلى وسيلة سلبية إن لم يستحضر المستخدم رقابة الله ورقابة ضميره، لأنه في النهاية لا رقيب إلا الضمير.