عن ثقافة الاختلاف المفقودة

العيون الان

عن ثقافة الاختلاف المفقودة…
عادل بن الحبيب

في عالمنا العربي، أصبحنا نفتقد لثقافة اختلاف الرأي وتقبل الآخر واحترام فكره وديانته ورأيه، لم نعد نستطيع أن نجلس على طاولة واحدة ونتبادل الآراء والأفكار، لا بد أن تكون معي كي أتحدث إليك أصبحت القاعدة السائدة، يلاحظ انتشار خطاب الإقصاء وميل الأفراد نحو رفض الرأي المخالف في مجتمعنا .النزعة الاستئصالية والخوف من الآخر المختلف عنا، والتعصب للفكرة الواحدة هي من علامات التخلف الذي لا يوصل لشيء سوى إلى مزيد من التخلف.
وبين من يرى في الاختلاف نعمة ومصدر غنى لا يمكن سوى أن يساعد على بروز أنماط تفكير جديدة، وبين من يعتقد أن الحقيقة وحيدة ومطلقة وهي غالبا ما تكون بجانبه، تتعدد أفهام الناس بخصوص مفهوم الاختلاف.

حينما يعجز الفرد عن إدارة الاختلاف مع آخر من نفس المجتمع الذي ينتمي إليه، فحينئذ يتوجب قرع جرس الإنذار إيذانا بمشكلة في قيم المجتمع المعني، لأن التعددية هي رافد مهم من روافد التقدم القويم والصحيح، معنى هذا الكلام أنه في داخل مجتمع ما، مهما اختلفنا وطالما قبلنا الاختلاف وجعلناه بوابة للحوار وتبادل الأفكار، فإن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نافعا للمجتمع برمته، لأن الاختلاف والحوار الذي قد ينتج عنه لا يغيران مقدار ذرة في وصال المختلفين، بل إنهما يفتحان مداركهم نحو تمثلات جديدة ربما كانوا على جهل بها، والاختلاف لا يفسد للود قضية حسب القولة المأثورة.

واقع الحال يبين أن الاختلاف ثابت، و المتغير هو طريقة التعامل مع هذا الاختلاف، فإما أن نحسن إدارته من خلال احترام المخالف ومحاورته مع كل ما قد ينتج عن ذلك من تبدل في وجهات النظر، وإما نرفضه ونعرض عنه. وحينما ندعو إلى التحلي بالاحترام تجاه من يختلف معنا، فإننا لا ندعو بذلك إلى الارتماء الأعمى بين أحضان أفكاره وإلى تبني آرائه، بل هو تأكيد على أهمية الإقرار بكينونة “آخر مختلف”، وفهم أن ذلك مهم وأساسي حتى نعيش كلنا، وحتى يتطور الفكر الإنساني في عمومه.

إن قبول الآخر مهما كانت أبعاد اختلافنا معه ضرورة لا محيد عنها، وواجب لمن أراد أن يستشرف المستقبل بأمان، ولا تعارض إطلاقا بين قبول الاختلاف والفكر التعددي من جهة والفكر المحافظ الهوياتي من جهة ثانية ، فالفكرة المخالفة بوسعها أن تكون منبع إلهام أو مصدر صقل ونحت لأفكارنا، فنصير ونحن نمزج بين الفكرة الأصلية التي نؤمن بصحتها وفكرة الآخر التي انفتحنا عليها منتجين لأفكار جديدة، أما أولئك الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم متى ما بزغ فكر مختلف عما هم يؤمنون به، فإنهم لا يقومون سوى بحشر أنفسهم في زاوية مغلقة ومعزولة، وهم يحرمون ذواتهم من خير كثير عنوانه تلاقح الأفكار والآراء الذي هو من أسباب ازدهار الأمم والمجتمعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.