العيون الان

غصة حب
في بلاد بعيدة، و أنا أرتب رحلتي لبدء عودة لدياري..استسلمت نحو خطواتي و أنا أجر حقائبي صوب المطار، مع كل خطوة ينتابني شعور زائد. كمن يعد هزائمه على مضض؛ دونما أن ينتبه القلب أنه يحن للوراء، لم تمنحنا الاختيارات حرية الاتجاه، يتلاشى المشهد، أنزل من الطاكسي صوب بوابة الدخول، ينحدر ذات الشعور بحمولة من الفوضى.

أتسلل بخطوات عبر البوابة الرقمية للمطار، شئ ما يشدني، حبل من الوجع إلى وجع، طابور من المسافرين؛ يستندون على جدار الرحلة، أتماسك ريثما ينتهي انتظارهم القصير.. تصادفنا محطات التوقف، وفي لحظة، يترامى على الفناء بالصدفة، لحظات انطفأت فيها عيناي عن الإبصار..فراق يحمل الكثير من الانكسارات و الهزائم..الخيبات..الحب و الجموح، عشر سنوات من الزمن المر تمر على شريط الذاكرة، كثورة في بلد عربي غالبا ما توجت خائنيه..
حكايا الوجع، كل مرة أسقط في هزيمة، تعلن جراحي الانتصار. أحسست أن إحدى الخيالات ستعبرني أو أن تخمش الغصة صدري، تفصلنا أحزمة الطابور، أسترق النظر نحو تذكرته..هل تحمل ذات الأسم لذات الذكرى ؟..سياج شائك بين حب طفولي و شوق و وله جنوني، و بين حرقة الغياب و ألم النسيان، تتمزق الاجنحة في طابور التذاكر، استرق نظرة اليه، ثم اخرى فإذا بشيء ما في شقي الأيسر ينتفض ويعتصر ربما لم يكن حبا حينها ولا شوقا، قدر ماكان وقع الصدفة ،كان ذلك اللقاء أقوى من عناق غيمتين في كنف السماء منتصف فصل الشتاء.
أشعر بالشفقة لكل حب فارغ بدا يوما ما عنوانا للسعادة، وفي داخل الصندوق أرواح تالفة تتآكل دون علم. استحضر قصة تشابه جنينا اسقط في بداية تكوينه، هي دقائق أعتصر داخلها كل تلك اللحظات الجميلة منها و المؤلمة. في مهب الصدفة أراقب خطاه نحو موظفة الشباك، تسلمه تذكرته و في محياه بسمة شكر، يعبر الممر، تسقطه نظرته بقصة حب اغتالها، تقف في أبهى حللها بعد عشر سنوات، تبدو عليه خيالات الأرتباك..في لحظة كانت نظرة واحدة تساوي العمر كله، غام وجهه خلف الضباب..كأن نظرته تقول “هاهي ذي طفلة الامس ومراهقته تقف اليوم في جسد امرأة ثلاثينية وقد ازدادت رقيا و وقار”..ملامحه تحمل شعورا يندلق في القلب، و كلما أقتربت خطواته،نظراته لي و علي وتركيزه على كل تفاصيلي، كمن يعلن انه كان ولازال قزم يصغرني بآلاف المواقف و المبادئ و القناعات.

وفي تلك اللحظة الحاسمة حركت “زندي” الأيمن لأثبت “الملحفة “على مقدمة رأسي، و تعمدت النظر اليه للحظات عدة؛ ثم ابتسمت، وضاع وجهه من بين الوجوه في الصالة..شعرت بذلك الأرتياح، كمن أكتفى بملئ عينيه حزنا …سرق أحلامي في سنوات طيش و اختزل حبا في سخرية قدر.