العيون الان

أنبتتها القراءة نباتا حسنا، فنطقت فصاحة، وتحدثت بلاغة، رغم صغر سنها، فهي ابنة تسع سنوات فقط، اكتسبت لذة القراءة، فطالعت مائتي كتاب في عام، نافست بستين منها، وفازت على نحو عشرة ملايين قارئ بعضهم من أترابها، وأغلبهم يكبرونها.

مريم أمجون، أشهر وأصغر قارئة عربية اليوم، ابنة إقليم تاونات المغربي، تدرس بالقسم الرابع ابتدائي، جمعت من الثقافة ما لا يجمعه من هم في سنها، ولا حتى أكبر منها، فالجامعات العربية، وحدها في العالم، التي تخرج أجيالا غير متصالحة مع القراءة.

تتحدث مريم في تصريحاتها التي تناقلتها الفضائيات العربية والعالمية، بلغة صقيلة، وأفكار جميلة، وتنهل من ثقافة ثرية، وحكمة بالغة، تقول إن “الشعور بالفوز يعاش، ولا يوصف”، وإن عنترة بن شداد، يعجبها من بين الشعراء ل”جمالية شعره، وقوة بأسه”.

وحين سئلت عن أي الكتب أثر فيها، شبهت حالتها مع الكتاب، بحالة النحلة مع الزهور، فهي “لا تصنع العسل من زهرة واحدة، وأنا لا أستطيع أن أكون موسوعية، ومثقفة من كتاب واحد، ومجال واحد”.

تصف مريم القراءة بأنها “مستشفى العقول”، وتنصح بها “للاطلاع على الماضي، ومعرفة الحاضر، والتطلع إلى المستقبل”، تتحدث بطلاقة، وتستحضر بسرعة فائقة معارفها التي جمعت من كتبها المائتين، فتأتي اللغة منسابة، ويحضر الشعر، والنثر.

ناقدة، هي الصغيرة مريم حين تتحدث عن شعر عنترة، حيث تحضر مصطلحات ومفاهيم من قبيل “جمالية الشعر”، و”الموسيقى” و”الجرس”، و”دقة الوصف”، تظهر على ابنة التسعة أعوام إرهاصات النبوغ، وهي لا تزال ترفل في ثوب الطفولة، لكنها ثمرة القراءة، ترفع مريم، ويخفض فقدها الوطن العربي، بوزرائه، ورؤسائه، وقادته ومقوديه.

لقد أوقدت الطفلة مريم سراجا منيرا في ٱخر النفق العربي المظلم، وأبرزت أن جيلها المغاربي قد يكون مختلفا، وأن نبتة القراءة، التي لم تكن تزرع في الأرض العربية، قد يصلح غرسها، وتؤتي أكلها، إن حذا أتراب مريم حذوها، وأضحت المدرسة العربية تخرج من يقرأ ويكتب، لا من يحمل شهادة، كثيرا ما تشهد عليه، لا له.

لقد شفع للصغيرة مريم كونها ابنة أسرة تعليم، فوالدها أستاذ لمادة الفيزياء، ووالدتها تدرس العلوم الطبيعية، فخلق لديها جو القلم والدفتر والكتاب، شغفا بالقراءة، فقرأت كما تقول كتب “السير” و”الشعر” و”الأدب” و”العلوم” و”الفن” و”السينما”.. وأخذت من كل فن بطرف.

إن تتويج مريم بجائزة تحدي القراءة بالإمارات العربية المتحدة، تتويج لبداية مسار مشرق، واصطحاب للكتاب، المهجور عربيا، وتتويج لأسرة ربت صغيرتها على أهمية العلم والمعرفة، وعلى أخذ الكتاب بقوة.

لقد ماتت الأمة العربية قبل الأوان، أو قبل أن تولد لأنها لا تقرأ، فنصف صفحة هو معدل قراءة المواطن العربي سنويا، واقع يبعث على القلق، ويفرغ حقائب الثقافة والتعليم في العالم العربي من محتوياتها – إن وجدت – ويؤشر على غياب سياسات تعليم ناجعة، ترقى بالإنسان، وتخلق الإبداع، وترعى المبدعين حق الرعاية.