العيون الان

مشروع اتحاد قبائل تكنة ،بين تعقيدات التحليل، وبساطة التنزيل.
مقال : لشريف خوجاني

تمهيد

في غياب منهجية واضحة للعمل على إنجاز مسودة مشروع اتحاد قبائل تكنة،لايمكن لهذه المسودة أن ترى النور في مدة وجيزة مضغوطة بموعد محدد قريب جدا كالذي يحصل الآن..
إن المشاريع الكبرى كمشروع اتحاد قبائل تكنة، تحتاج أولا لنقاش مستفيض ومدة زمنية كافية تتيح للنخب التكنية المثقفة إنجاز بحوث أكاديمية ميدانية و مقالات تأصيلية تُنَظّر لهذا الحراك المتصاعد، وتحميه من الفوضى و الغوغائية التي تعكر الماء و تسمم الاجواء.
هذا التأصيل الفكري هو الذي يؤسس لمرجعية فكرية رصينة تبنى على علم وافر و معرفة شاملة ببعديها السوسيولوجي
والانتروبولوجي ، وتحيط بالبيئة التي تعيش فيها المجتمعات التكنية بمختلف المناطق والدول التي تتمركز فيها قبائلهم ويعيشون فيها منذ قرون سابقة.
كذلك يجب استحضار التجارب السابقة والاستلهام منها حسب مقتضيات التنزيل.
و أول التجارب الحالية التي يجب أن نستفيذ منها، بعد تجربة اتحاد تكنة التاريخية، هي التجربة الموريتانية بالإضافة لتجارب الحركات الوطنية والعالمية التي نجحت في لفت انتباه العالم لقضاياها الجوهرية واستطاعت أن تنجح ميدانيا وتحقق لشعوبها ذلك الإشعاع المتوخى، والتأييد المنتظر لفكرتها وقضيتها وجوهر حراكها.
إن دعوة الأفراد بمختلف توجهاتهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية، والقبائل التكنية بمختلف انتماءاتها و توافقاتها العرفية،للانخراط في الاتحاد، تحتاج لنوع من الفطنة والفراسة والحذر من انزلاق الخطاب نحو نوع من السطحية والبنود الفضفاضة، من دون الغوص الحاذق فيما يراه التكنيون جديرا بلفت انتباههم و تفاعلهم لينخرطوا في الاتحاد.
و فيما يخص الكيفية التي نستطيع بها مخاطبة القبائل ودعوتها للاتحاد وجب أولا تهييء أرضية مسودة مبسطة لتداول المشروع عبر حوار تشاركي موسع مع كل القبائل، تفتح فيه ورشات متعددة لنقاش مثمر و عميق حول الأولويات والأهداف والتصورات الممكنة لتهييء كل السبل و تعبيد الطريق نحو اتحاد شامل.
وهنا تجب الإشارة إلى مستلزمات الخطاب الذي ينقسم في نظري إلى نوعين اثنين :
1- الخطاب العلمي الأكاديمي المؤسس على مرجعية فكرية،و نخاطب به النخب المثقفة التكنية وغيرها عبر كل القنوات والمنتديات العلمية والثقافية.
2- الخطاب البسيط المرتكز على عمق التجربة و سلاسة اللغة و وضوح المفاهيم،و نخاطب به جموع الناس وشيوخ وأعيان القبائل.
وحين نخاطب القبائل لا يجب أن نخطيء بالغوص في الأمور التاريخية الحساسة والمواضيع المختلف فيها، و نركز فقط على الجوانب الإيجابية في التاريخ، و نحفز الناس بما نراه جامعا للحمة و مشجعا للهمة و موحدا للأمة.
و للنجاح في حوارنا مع القبائل، لا بد من اختيار محاورين فصحاء أذكياء ملمين بكل خيوط النسيج التكني، ويملكون الصبر وطول النفس، ولا يستعجلون النتائج.
من هذا المنطلق يمكن أن نضع أرضية صلبة لمسودة أولية تكون بداية لحوار بناء بين جميع النخب والقبائل التكنية أملا في إيجاد تصور مقبول و مستساغ من الجميع.
و للدخول في صلب المشروع كان لابد لي من وضع تصور بسيط حول التصور والسياق العام، مرورا بالهيكلة، والاهداف والمرتكزات

السياق العام :

ربما تتميز قبائل تكنة عن غيرها من القبائل الأخرى بكونها نجحت في إنشاء اتحادية فريدة لم تتوفر لغيرها من القبائل المحيطة، واستطاعت أن تحافظ على وحدتها لقرون عديدة حتى أواسط القرن الماضي، مما أتاح لها بأن تبني امجادا من البطولات والملاحم وتستبسل في الذود عن الأرض والعرض ،و تأتى لها ذلك بفضل سلامة المنهجية العسكرية وقوة الشكيمة، و عقليتها الوحدوية الفريدة ونظامها العرفي الصارم الذي استلهم بنوده من حاجة المجتمعات التكنية آنذاك لاستنباط كل التجارب الشرعية والعرفية انطلاقا من حتمية الوحدة و وحدة الدين واللغة والثقافة و المنهج والهدف والمصير.
إن تاريخ قبائل تكنة ليس حروبا عسكرية و كر وفر فقط، بل هو مزيج كبير متفرد من الثقافات المتلاقحة والعادات والتقاليد الأصيلة، والأدب الرفيع والأخلاق الفاضلة والشهامة والرجولة و كرم الضيافة و نبل السريرة.
وهذا التاريخ الحافل بالامجاد والبطولات المشرفة لا يتناسق مع واقع تكنة الآن،
فالمتأمل لهذا الواقع يجد بأن قبائل تكنة قد فرطت في لعب ذلك الدور المحوري الوازن المؤهلة له تاريخيا و جغرافيا وديموغرافيا و استراتيجيا وسياسيا.
من هنا فالجميع مجمعون على أن الحل يكمن في العودة للاتحاد من جديد
اتحاد قبائل تكنة ،ذلك الحلم المنشود الذي لابد له من تصور سليم يستحضر الماضي ويقرأ الواقع، ويستشرف المستقبل.

التصور العام :

لا يخفى على أحد بأن قبائل تكنة تتمركز في دول ومناطق عدة، وهنا تكمن صعوبة وضع تصور عام لإطار واحد يجمعهم، خصوصا في ظل القضايا الإقليمية التي يدفعون ثمنها، كونهم الكتلة البشرية الاهم التي تستخدمها الاطراف المتصارعة لترجيح كفتها عسكريا و سياسيا، من دون أن يكون هناك اعتراف ومكافأة لما قدموه من تضحيات جسيمة تجعلهم في مقدمة الركب وقريبون من دوائر صنع القرار .
إن واقع تكنة الآن و ما هي عليه أوضاعهم الاجتماعية والسياسية يؤكد بالملموس بأن مصلحتهم الحتمية هي في الاتحاد و لاشيء غير الاتحاد.
فالاتحاد هو مصيرهم المشترك، و ملاذهم الآمن لتحقيق كل أهدافهم والدفاع عن مصالحهم المشتركة وإعادة حقوقهم المهضومة، في عصر لا يعترف سوى بالتكتلات.
لكن كيف سيكون هذا الاتحاد..؟
ماهو شكله وحيثياته وأهدافه و مستلزماته، في ظل واقع القبائل المتشرذم، الذي فككته سياسات الدول،و فرقته إلى أشلاء ممزعة، وأضعفته بالتبعية العمياء.
ثم هل نلقي باللوم على قبائل تكنة أنفسهم، فيما وصلوا إليه من أوضاع إجتماعية و سياسية مزرية..؟
هل الشعوب التكنية شعوب غير مسيسة، وتفزع من السياسة..؟
وهل بعدهم عن الممارسة السياسية الصحيحة التي تنطلق من قناعات الانتماء لهذا المكون التكني الكبير، و تبني مواقفها على المصالح الكبرى للشعوب التكنة التي ملت من هذا الوضع البئيس الذي لا يقبله أي تكني حر.
إن قبائل تكنة هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الواقع المزري، وإذا لم تكن هناك قراءة تصحيحية للواقع واعادة استحضار عميق للتاريخ، و الانفصال التام عن الأنا الشخصية والانا القبلية، فلن يكون هناك أمل في العودة للاتحاد من جديد.
لكن الامل يبقى دائما معقودا على شيوخ قبائل تكنة العقلاء، ونخبهم المثقفة وشبابهم ونسائهم التواقون للوحدة الشاملة التي ولا شك ستعيد الاعتبار لهذا المكون المجيد.
وبالرغم من هشاشة بنية القبائل التكنية، نظرا للواقع الحالي المؤسف، كان لابد لي من إبداء رأيي عبر اقتراح بعض المرتكزات التي يمكن أن يبنى عليها الاتحاد في تصوره العام بتوافق بين كل مكونات القبائل التكنية :

– مرتكزات اتحاد قبائل تكنة :

– احترام خصوصيات وقوانين الدول التي ينشط فيها الاتحاد والدعوة الجادة لمساهمة أعضاء اتحاد قبائل تكنة في بناء أوطانهم والدفاع عن مصالحهم المشتركة، واحترام الخصوصيات الثقافية والسياسية والاجتماعية لكل تجمع تكني داخل أي مجال جغرافي معين.
ولكل تجمع تكني الحق في تكييف مسودة المشروع بما يلائم الخصوصية المحلية لتتلاءم مع دساتير و قوانين الدول التي يتواجدون بها، مع الحفاظ الدائم على روح الاتحاد الذي يحاول أن يجمع القبائل والافراد التكنيين على مفاهيم و روابط جامعة بعيدا عن التوجهات الحزبية والسياسية الضيقة المجال.

– حرية الانتماء السياسي، مع التأكيد على عدم تعارض المواقف السياسية مع المصالح المشتركة للمجتمعات التكنية.

– المقاربة التشاركية، مبدأ أساسي من مباديء الاتحاد،
فاشراك الشباب والمرأة و كافة أطياف المجتمع التكني في العمل على تنمية العنصر البشري التكني أمر تحتمه ضرورات العصر و مقتضيات النهوض بالمجتمع، ودفع أفراده للإبداع.

– التوافق مبدأ أساسي، من خلال التمثيلية النسبية للقبائل داخل أروقة وهياكل الاتحاد، ورئاسة الاتحاد يمكن أن تكون دورية بين قبائل تكنة وذلك درءا للحساسيات التي تثير شبهات الاستئثار بالسلطة وطغيان قبيلة على قبيلة أخرى.
– الهوية التكنية والاعتزاز بها لا يعني ميزا عنصريا، ولا يعني ايقاظا لنعرات قبلية، أو عداء ضد دولة أو قبيلة أو أي جهة أخرى، بل هو فقط اعتزاز وانتماء قوي و إحساس بإيجابية الموروث التكني بكل ما يضم من حمولة ثقافية و تاريخية وأخلاقية.

– ميثاق الشرف :

يعتبر ميثاق الشرف هو الوثيقة الأهم التي يمكن من خلالها تجسيد الاتحاد وتفصيل بنوده ومستلزماته
وحين ندعو القبائل للوحدة لابد من طرح أسئلة عميقة
لماذا سنتحد..؟ و حول ماذا سنتحد..؟
وهنا لابد من اجوبة بسيطة و عميقة تؤسس لبنود الوحدة الشاملة التي يمكن أن تجتمع عليها قبائل تكنة.
و يمكن لقبائل تكنة أن تجتمع على ميثاق شرف تحدد فيه الأولويات الآنية و المستقبلية، ويؤسس فيه للوحدة كهدف منشود مع بعث تطمينات إيجابية للقبائل الأخرى بأن الوحدة شأن داخلي تكني و لاتعني القطيعة مع القبائل الأخرى أو إيقاظ لأي نعرات قبلية أو عداء تاريخي مع أي جهة سواء كانت قبيلة أو حزب أو دولة.
وهذا مقترح لنموذج من النقاط التي يمكن أن يتضمنها ميثاق الشرف :

تصرح القبيلة الفلانية بدخولها في اتحادية قبائل تكنة و تلتزم بالبنود التالية :

– مصلحة الوطن أولاً

-احترام القانون وسيادته.

– احترام قبائل الاتحاد بعضها لبعض واحترام القبائل المحيطة.

– الاتحاد ليس موجها ضد قبيلة أو دولة أو أي جهة مهما كانت، و لا يدعو للميز العنصري أو النعرات القبلية.

-نبذ العنف والعنصرية القبلية والتمييز الطائفي والديني والعرقي.

-ترسيخ مبدأ الحوار والتعايش السلمي

-دعم بناء الدول التي ينتمي لها أفراد قبائل الاتحاد والمشاركة الفعالة في تنميتها واحترام مؤسساتها الدستورية.

-الالتزام بالدفاع عن المصالح المشتركة لقبائل تكنة.

– الالتزام بحل المشاكل البينية بين قبائل تكنة سلميا و إشاعة مبدأ التسامح والتفاهم الودي في كل النوازل البينية التي يمكن أن تقع بين القبائل التكنية.

– كل قبائل تكنة سواسية ولا فرق بين قبيلة وقبيلة، و يستوون في الحقوق و الواجبات.

– يرفق الالتزام بلائحة توقيعات لشيوخ واعيان القبيلة الملتزمة بهذا الميثاق.

الاهداف العامة :

إن التطرق لأهداف اتحاد قبائل تكنة و جردها، لا يجب أن يكون سردا شكليا أو نمطيا لا يتماشى مع التوجه العام والسياق والتصورات العامة للاتحاد، و حين نفكر في الأهداف لا بد أن نستحضر ماهية هذا الاتحاد و دوافعه و جدواه في ظل عدم وجود أهداف واضحة المعالم و محددة الوسائل والاولويات.
و اتحاد عالمي كاتحاد قبائل تكنة يجب أن تكون أهدافه بمستوى حجم و تاريخ قبائل تكنة المجيدة.
و كنموذج للاهداف التي يمكن تحديدها لهذا الاتحاد كان لابد لي ان ادلي بدلوي في هذا الباب أملا في إيجاد مقترحات أخرى لأهداف اشمل وأهم و أعم يتفضل بها كافة الاساتذة والمثقفين و الفاعلين داخل هذا الحراك .

– رد الاعتبار للمكون التكني و العودة به للعب دوره المحوري كفاعل سياسي واجتماعي واقتصادي شامل في المنطقة.
– المساهمة الفاعلة والبناءة في التنمية الشاملة لمناطق و مدن قبائل تكنة والدفاع عن مصالحهم المشتركة والنضال المستميت من أجل تحقيق المطالب المشروعة للشعوب التكنية في أي بقعة أو رقعة من العالم.

– العمل على إرساء مبدأ التكافل عبر السعي لإنشاء مؤسسات اجتماعية خيرية تكنية تضطلع بالاهتمام بالطبقة المعوزة و محدودي الدخل والارامل و المرضى الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.
– العمل على إبراز الموروث الثقافي المادي واللامادي التكني ،والحفاظ عليه وصيانته و جمعه عبر إنشاء مؤسسات و مراكز ثقافية تهتم بهذا الموروث و تؤسس لرؤية ثقافية عميقة في تناولها لتراث قبائل تكنة، و تفعل الأهداف الثقافية الكبيرة مثلا بإنشاء :
– مركز للأبحاث التكنية. – مراكز ثقافية تكنية ومتاحف تهتم بتحقيق هذه الأهداف الثقافية الشامل.
– ملتقى دولي سنوي لقبائل تكنة حول العالم، و يكون عنوانا لثقافة تكنة و عاداتهم و استحضار الموروث الجامع لهذه القبائل.
وعندما نفكر في وضع أهداف شاملة لاتحاد قبائل تكنة فلا بد لنا أولا من التفكير في الوسائل السليمة لتحقيق هذه الاهداف الكبيرة .

و أول هذه الوسائل هي :

– العنصر البشري القادر على تحمل المسؤوليات الجسام،
العنصر العاقل المتزن النزيه الذي يؤمن بمشروع اتحاد تكنة ويناضل من أجل تحقيقه على أرض الواقع .
العنصر المخلص النزيه، الغير مشبوه، البعيد عن الإملاءات الخارجية، ولا يخدم أجندات سماسرة الانتخابات والمشاريع المضادة لتوجهات قبائل تكنة نحو الوحدة.

– العنصر المادي :
لا حركة حقيقية بدون وسائل مادية مشروعة و مقننة وخاضعة لقانون الدولة التي ينشط فيها الاتحاد، وجميع الحركات التاريخية التي نجحت على الأرض وحققت أهدافها، لم يكن لها أن تصل لما وصلت إليه، لولا وجود رؤوس أموال كبيرة داعمة و مؤمنة بالفكرة ونجاحها و لديها ثقة في نزاهة الأطر المسيرة، التي تمتلك الكفاءة المعرفية والنزاهة المطلوبة،
إن الدعم المادي واللوجستيكي هو الوسيلة الفعالة لتحريك قاطرة الاتحاد، لذلك يجب البحث دائما عن الموارد الكفيلة بتحقيق كل الأهداف المسطرة.

– العمل والجدية والحماس :
لا يجب أن يكون الكلام أكثر من العمل، لأن العمل الجاد هو السبيل الوحيد لتحقيق الغايات،لذلك فالتوجه نحو العمل الميداني عبر فتح ورشات للعمل الشبابي وتوسيع دائرة التشارك في البناء، يعتبر أساسيا لتذويب كل العقبات والحواجز
الفكرية والسياسية المثبطة لمسيرة الاتحاد.
كذلك الحماس والغيرة على المكون والإحساس بالانتماء له، يعطيان نتائج كبيرة و مبهرة ميدانيا.

والكلام في الوسائل يجرنا للحديث عن أولويات العمل
و الكيفية التي يمكن الاشتغال بها فعليا و ميدانيا لتطبيق مفاهيم الاتحاد و ترسيخها لدى كل الفاعلين و تعميقها لتصل إلى مستوى الأولوية والاهداف الاجرائية لدى القمة والقاعدة عند المجتمعات التكنية.
و في نظري لابد من اتباع هذه الأولويات في العمل والتنزيل السليم لمشروع اتحاد قبائل تكنة :

– فتح ورشات متعددة لنقاش موسع مع النخب الفكرية والمثقفين الغيورين على وحدة قبائل تكنة، و مع الشيوخ والاعيان بكيفية مباشرة عبر التواصل مع الأعيان، ومع القواعد الشعبية التكنية كذلك عبر فتح منتديات تواصلية و إدارة النقاش بكيفية سليمة، وتحسيس الجميع نخبا وشيوخا واعيانا و عامة الناس بأنهم يشتركون في المشروع، و يساهمون في بنائه لبنة لبنة، بشفافية تامة، وبلا لبس ولا ضبابية في التوجهات والاهداف.

– تعتبر تنسيقيات اتحاد قبائل تكنة هي الحل في نظري للتنزيل الشعبي لفكرة اتحاد قبائل تكنة ميدانيا ،و هنا يجب الانتباه الفطن لدورها التعبوي التنسيقي في التواصل الميداني مع القاعدة الشعبية، ويجب إشراك الشباب في الفعل النضالي التكني و دمجهم في التنسيقيات وفتح آفاق واسعة أمامهم للخلق والابداع و تحمل المسؤولية في المستقبل.
ولا يختلف أحد على كون منطقة وادنون هي المركز وهي النواة التاريخية التي بني حولها اتحاد قبائل تكنة، تاريخيا، وهذه النقطة لا يجب توظيفها توظيفا مركزيا تحكميا قبل تأسيس تنسيقيات الاتحاد على قواعد تمثيلية قبائلية مناطقية صحيحة، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك قبائل كبيرة وصغيرة بكاملها (إلا إذا استثنينا بعض الخيام القليلة) لم يعد لها وجود بمنطقة وادنون.

– المتطوعون من شتى القبائل، هم بلا شك رافد أساسي و دافع أساسي لقاطرة الاتحاد، وانضمامهم كأفراد يعتبر إيجابيا، لكن هذا ليس كافيا للعمل على بناء اتحاد ينبني على تمثيل رسمي للقبائل و مجالسها الرسمية داخل الاتحاد، لذلك فلا يمكن للاتحاد أن ينتقل من صفة الحراك الشعبي إلى صفة الاتحاد الرسمي دون انخراط أغلب القبائل فيه.
و هنا يجب اعتبار القبيلة عنصرا أساسيا من عناصر نجاحه، و في تنزيلنا لهذا المعطى فعليا، يمكن أن يبدأ الاتحاد انطلاقا من موافقة بعض القبائل على الوحدة حول ميثاق شرف متوافق عليه، و إعلان البداية الفعلية للاتحاد على الأرض واستكمال الحوار مع القبائل الأخرى المتحفظة، أو التي لم تصل بعد لتوافقات داخلية حول صيغة الانخراط الفعلي في الاتحاد.

الخطوات الإجرائية :

– الاتصال الميداني بالقبائل والنخب التكنية، و مناقشتها حول محاور مسودة. المشروع.
– تصنيف الخلايا واللجان
– تأسيس التنسيقيات في كل الدول و المدن التي تعرف تواجدا تكنيا.
– تنظيم أنشطة ثقافية نوعية كالندوات والموائد المستديرة والايام الدراسية التي تهتم بقضايا تكنة حول العالم، تُبعث من خلالها رسائل تؤشر على وجود حراك تكني على الساحة.

– هياكل الاتحاد :

كثيرة هي الاجتهادات و المقترحات المطروحة التي تُنظر لإطار جامع لاتحاد قبائل تكنة، لكني و بكل بساطة أرى بأن الإطار الانسب لهذا الاتحاد يتجسد فيما هو عرفي بالدرجة الاولى، و من دون الخوض في الحيثيات القانونية والعرفية التي نتركها لأهل الاختصاص، وجبت الاشارة في هذا الباب إلى الآتي :

– أغلب القبائل والعشائر في المغرب والجزائر و موريتانيا و كل الدول العربية، لا تخضع في هيكلتها و شؤونها للقانون الاداري، بل تعيش و تتحرك وفق نظام عرفي تمتاز به القبيلة أو العشيرة.
– الدولة المدنية العربية الحديثة لا تبني تصوراتها و قوانينها على مفاهيم قبلية أو عرقية، وتحظر تأسيس الأحزاب والهيآت المدنية على أساس عرقي، لكنها تتعامل عرفيا وسياسيا و مخابراتيا مع القبائل الموجودة في الواقع من دون أن يكون هناك تبرير مقنع لهذه الازدواجية الفريدة التي تتظاهر علنا بنبذ القبلية، و تستخدم القبلية للتحكم في خيوط النسيج المجتمعي، للتشتيت أحيانا وللتجييش في أغلب الاحيان.
– لم نسمع قط بأن قبيلة ما في الصحراء طلبت ترخيصا من الدولة للاجتماع والتحرك، لأن المتعارف عليه هناك هو أن النظام القبلي يمشي في إطار العرف السائد لدى القبائل الصحراوية، ما عدا الامور المالية للقبائل و صناديقها المالية، فجل القبائل قد اخضعتها للاطار القانوني تفاديا للحساسيات المالية و الإشكالات القانونية التي قد تدفع للمساءلات القانونية امام أجهزة محاسبة الدولة.
-و مما تقدم يمكن أن يجتمع التكنيون في إطار نظام عرفي مبسط بعيدا عن كل التعقيدات الهرمية
وفي نظري المتواضع لا يجب أن يخرج الاتحاد في هيكلته التنظيمية عن الإطار العرفي وفق الخصوصية القبلية الصحراوية.
لذلك ودرءا لكل الحساسيات و تفاديا لصراعات الزعامة و حرب المواقع و الرئاسيات و منطق العمائم، وجب علينا التفكير في نظام لقيادة جماعية تنبثق عن مجلس أعيان وشيوخ اتحاد قبائل تكنة
مثلا تكون الهيأة العامة و هي عبارة عن مجلس شيوخ واعيان اتحاد قبائل تكنة مكون من 125 عضوا يمثلون جميع القبائل التكنية والجاليات و الأقاليم والدول ويجتمع المجلس سنويا على هامش ملتقى تكنة السنوي وينبثق عن هذا المجلس مكتب تنفيذي من أربعين عضوا(على شاكلة مجلس أيت أربعين) يسيرون أمور الاتحاد بإدارة تشاورية جماعية توافقية، ثم تشكل لجان فرعية تابعة للمجلس التنفيذي أيت أربعين، كلجنة الاتصال الخارجي، و لجنة المالية ،ولجنة الثقافة والإعلام، واللجنة الاجتماعية، و لجنة التنظيم والتنسيق والأمن، ثم تحدد اختصاصات المجلسين و مهام اللجان بقوانين تنظيمية داخلية عرفية، دون تعقيد هرمي، مما يبعد الصراعات حول السلطة وجر الاتحاد بعيدا عن أهدافه التي وجد من أجلها،بالإضافة لكل هذا يجب أن يؤسس حراك شبابي موازي عبر تأسيس تنسيقية عامة للشباب، لتشرف على تنسيقيات الدول والجهات والمدن، ويترك هامش من حرية التحرك والنضال للتنسيقيات الفرعية لتدبير شؤونها المحلية، و التعبير عن مطالبها المشروعة في إطار القانون.

خاتمة :

وختاما.. ما هي التحديات التي يمكن أن تعيق قيام اتحاد قبائل تكنة و تجعله حلما صعب المنال..؟
إن أكبر تحدٍّ قد يواجهه التكنيون في طريق اتحادهم هو تكنة أنفسهم..
فبدون تنازلات كبيرة من بعض القبائل الكبرى التي ترى نفسها أكثر حضوة من طرف الدولة من غيرها، لا يمكن للاتحاد أن ينجح، وهذه القبائل عليها أن تعرف بأنها عندما تدخل فعليا في الاتحاد ستزداد حضوتها أكثر بالوحدة والتكتل، و سيرتفع سقف المطالب و تكون لها الأولوية في الاستفاذة من ثمار الوحدة و تطبيقها على الارض.
و حين تتجرد العقلية التكنية من آفات الأنا، وعقلية التحالف مع الشيطان ضد أي كان، من أجل مصالح شخصية ضيقة، لا تشرف الهوية التكنية، فإن الواقع البئيس لن يتغير، وسيظل التكنيون في أرضهم غرباء.
إن هناك عنصران من عناصر تكنة يجب الحذر منهم والتحفظ على إعطائهم ادوارا رئيسية داخل الاتحاد… أعيان السلطة و سماسرة الانتخابات
هذه الفئة من المجتمع لايمكن لها أن تقدم شيئا ملموسا لاتحاد تكنة و لتاريخ قبائل تكنة، بل العكس فإن وجود هؤلاء في دوائر صنع القرار التكني سيكون مخربا أكثر مما سيكون مفيذا للاتحاد.
أما السياسيون والمنتخبون التكنيون فأغلبهم سينخرط مع التوجه العام للاتحاد حرصا على مصالحهم وسعيا للحفاظ على كتلهم الانتخابية، وهذا المعطى يجب استغلاله في التأثير على برامجهم و تحالفاتهم السياسية من أجل اصطفافهم إلى جانب القضايا التكنية و دفاعهم عنها بالاستماتة والكفاءة المطلوبة.
وكثيرة هي الهواجس التي تخالج الشعوب التكنية التواقة للوحدة في ظل هذا الواقع المتشرذم الذي تعيشه قبائل تكنة المهضومة الحقوق،و المهددة في ضياع هويتها وسلب أراضيها،و فقدان دورها الريادي كمحور اجتماعي اقتصادي وجيو سياسي هام في أرض ‘البيظان’ كافة.
وهل يملك اتحاد قبائل تكنة عبر العالم ،تلك القيادات المتجردة للعمل الصادق من أجل إعادة الاعتبار للمكون التكني المجيد..؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها، لكن الإجابات الحقيقية تكون ميدانية و ستتجلى الحقائق عندما يبدأ التطبيق الفعلي لمقتضيات الاتحاد.
و أخيرا على القبائل التكنية أن تعين خيرة أبنائها للمشاركة في تسيير الاتحاد لأن ممثلي القبائل سيمثلون الواجهة الحقيقية لكل قبيلة، لذلك فلا بد من قدر كبير من الأمانة والمصداقية والكفاءة، يكون متوفرا في الممثلين.

كانت هذه رؤيتي المتواضعة لكثير من الجوانب المحيطة بالاتحاد، وأرجو المعذرة إن كان الصواب قد جانبني في بعضها، وتبقى هذه مجرد اجتهادات شخصية مني حرصا على أن تكون هناك أرضية واسعة تصلح للنقاش حول مرجع مسودة لمشروع اتحاد قبائل تكنة.

شريف خوجاني / العيون في: /5/6/2019