يوميات المحرقة بقلم : مولاي الحسين خوجاني

العيون الان

يوميات المحرقة بقلم : مولاي الحسين خوجاني

 

لن نسكت

تراث تكنة يتعرض للاندثار …(قراءة في فاجعة احتراق تغمرت )

 

في خضم النيران الملتهبة التي أتت على الاخضر واليابس في جزء مهم من واحة تغمرت وبالضبط الجزء الأوسط من دوار أيت الخنوس الذي يضم الكثير من المشاريع الخاصة  الإيكولوجية منها والسياحية والثقافية والاقتصادية ،بما في ذلك دور الضيافة و المتاحف و الحدائق الغناء التي تميزت بها واحة تغمرت على مر العصور ،بتينها ونخيلها و رمانها وعنبها و كل ما تنبت هذه الارض المعطاء التي تربينا بين دواليها و كرومها واستظلينا بظل نخيلها وأكلنا من تمرها و شربنا من مائها الزلال الذي لا ينضب معينه أبدا ،حتى أننا كنا نسمع قديما بأسطورة مفادها أن عيون وارگنون هي واحدة من عيون نهر النيل العظيم الذي لا ينضب .

من منكم من لم يأكل من زرع هذه الارض الطيبة ..؟

من منكم من لم يعجن بقمحها ،ويأكل من ذرتها و”بدازها” وعيشها و “دشيشتها” وسفرجلها و “كرموسها” وتينها الشوكي ،و تينها الاملس ،أخضرا كان أو أسودا ،سواء كان “بزول عود” أو “تامالقة” أو تاباشيلت” أو غير ذلك من أنواع التين المختلفة التي غرست بأيدي أهل الواحة البسطاء وسقيت بمائها و نبتت في تربتها الخصبة ..؟

من منكم من لم يشرب من لبنها و ييدم بزبدتها و يشرب حساءها الأحمر الساخن في ليالي الشتاء الباردة ،و يتداوى بزيتها المبارك ..؟

ألا تعرفون بأن أهل هذه الارض الكريمة يعتبرون كرم الضيافة أولوية في حياتهم اليومية ،يخزنون للضيف ، ويبنون الصالات الكبرى “لمصارى” الشاسعة خصيصا للضيوف ..

هناك الضيف مقدس كأنه ملك الملوك ، يستقبل بالذبائح والولائم والقصع الكبيرة ،و يودع بما لذ وطاب من خيرات الواحة ، فيمشي بزاد السنة والسنتين مالئا الراحلة والراحلتين .

إسألونا نحن أبناء الواحة كم “تمرغدنا” بطينها الاحمر حتى تمشقت جلولدنا وأيدينا وأرجلنا ،فكانت أمهاتنا تذبن الشمع مع زيت نوار الشمس كي تلتئم جروح المشق ، وكنا لا نبالي بكل الخدوش التي كانت تصيبنا من شوك نخيل الواحة و وخز سعفها وجذور أشجارها وخشونة أرضها

إسألوا عنا بطون واد وارگنون وبساتينه ..

إسألوا البراج و گلتة النويصرات و تاجنانت و تافيعيرت و أگرسواك ولخميس وتاماسينت و املالن ..

إسألوا عنا “گصور” الواحة..

أيت الخنوس وأيت مسعود وأيت محمد و أيت بكو و تاوريرت

إسألوا قصورها وظلالها الوارفة وقصباتها المحصنة ..

گصر بودميعة و گصبة تيشيشت و دار الصراف والقائمة طويلة بما ألم بها من خراب …

إسألوا التاريخ النائم نومة أهل الكهف ،ودعوه ينهض ليحكي لكم عن حضارة قبائل تكنة و عزها و مجدها التليد  ..

عن مدينة نول لمطة و تگاوست و تاغجيجت وقصور آسا و گصبة تيشيشت

إسألوه عن الفخامة والمهابة والنخوة والشهامة والذود عن الحمى وقوة الشكيمة وشدة البأس

إسألوه عن الخيل المسومة والانعام والحرث ..

ثم اسألوا انفسكم من أحرق تغمرت ..؟

من أباد حضارة ..؟

من ترك نول لمطة تنهار و معلمة أگويدير تنهار ..؟

من ترك آثار قبائل تكنة ومعالمها تختفي في كل مداشرها …؟

من كان السبب في وأد هذه الحضارة من التراث المادي واللامادي التي لا تضاهيها حضارة على امتداد الصحراء و جنوب الصحراء ..؟

أين برامج تنمية الواحات و وزارة الثقافة و هيأة الآثار ..؟

نحن نملك الحضارة والتاريخ ،لكننا لا نملك الانسان القادر على المحافظة على هذا الإرث التاريخي الكبير ..

أليست واحاتنا كواحات وارزازات قبل ترميمها ..؟

شاهدوها الآن كيف هي ..؟

أين مثقفوا تكنة و أطرها ..؟

أين منتخبوها ..؟

أين أعيانها ..؟

أين شيوخها و شبابها و نساؤها..؟

إلى متى سيستمر هذا العويل والنواح

والنباح والصياح …؟

ألا يكفيكم هذا الاحتراق ..؟

احتراق الارض واحتراق التاريخ واختراق الهوية ..؟

هل كانت قبائل تكنة يوما تفرط في أرضها و عرضها و مالها كما هي اليوم ..؟

إسألوا عمن كان يطفيء الحرائق الكبرى ،ومن كان ينقي نخيل و بساتين الواحة من الحشائش و الجريد اليابس ..

من كان يفرط سواقيها و “أگلاتها” من ترسبات واتربة الماء المتراكمة ..

من كان يزود اسواق گليميم بكل انواع الخضر و النعناع والبرسيم والتبن والقمح والزرع و “البشنة” وكل ما لذ وطاب من فواكه بساتين تغمرت الخالدة ..

 

وبعد كل هذا نرى أرضنا تحترق ، و نبكي بكاء الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم ..؟

ويصيبنا اليأس كمن يرى فلذات كبده تحترق و هو لا حول له ولا قوة ..

ألا يكفينا ألما أننا نقتل بأيدينا و ندفن بأيدينا و نشتكي ظلم الآخر ،ولا عدو لنا إلا ما صنعناه بأيدينا ..

Leave A Reply

Your email address will not be published.