الأستاذ علي أنوزلا : حماية حرية الصحافة مسئولتنا جميعا

العيون الآن

علي أنوزلا : حماية حرية الصحافة مسئولتنا جميعا

نشرت منظمتا “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحافيين” تقارير مفزعة عن عدد الصحفيين الذين لقوا حتفهم في السنة الماضية، وبلغ عددهم 110 صحفيا قتلوا في مختلف أنحاء العالم، أغلبهم قتلوا عمدا أثناء أدائهم لمهامهم.
هذه الأرقام المقلقة تؤشر إلى أي حد أصبحت “مهنة المتاعب” مهنة المخاطر أيضا، وخطورة ممارسة هذه المهنة لم تعد خطرا على أصحابها في أماكن النزاعات والحروب والاضطرابات والقلاقل، وإنما أصبحت المخاطر تلاحقهم حتى داخل ستوديوهات إذاعاتهم كما حصل مع مذيع برازيلي اغتالته عناصر المافيا عندما كان ينشط برنامجه على الهواء، وفي باريس اقتحم إرهابيون مقر جريدة “شارلي إيبدو” واغتالوا صحافييها داخل قاعة التحرير بدم بارد.
فأعداء الحرية والكلمة الحرة أصبحوا قادرين على ملاحقة ضحاياهم وخصومهم أينما وجدوا، وفي هذا مؤشر آخر على تنامي ظاهرة العنف المتعمد ضد الصحفيين من جهة، ويعكس فشل كل الآليات والقوانين الرامية إلى ضمان حماية الصحافيين، من جهة أخرى، ليس فقط في مناطق النزاع ووقت الحروب، وإنما أيضا في أرض السلم وفي زمن السلام.
هذه الأرقام تأتي أيضا لتدق ناقوس الخطر حول تنامي ظاهرة الانتهاكات التي باتت ترتكب ضد الصحفيين في مختلف دول العالم، وهي انتهاكات ذات طبيعة مادية وأخرى ذات طبيعة معنوية ترتكب في الدول عدوة الحرية. فالانتهاكات المسجلة ضد الصحفيين في العام الماضي لا تنسب كلها إلى تنظيمات إرهابية أو جماعات خارجة عن القانون، وإنما من بينها انتهاكات تقع مسؤوليتها على الحكومات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عندما تخل بالتزاماتها بحماية الصحافيين، وتوفير الضمانات الكافية لهم لممارسة مهنتهم في حرية وبسلام.
إن ما يشجع على استهداف الصحفيين هو طبيعة عملهم أولا، على اعتبار أنهم “شهود” وبالتالي فالمجرم كيف ما كانت طبيعته وحجم جرمه يسعى دائما إلى التخلص من الشهود، أما الأمر الثاني الذي يجعل من الصحفي “حائطا قصيرا” يريد الجميع أن يستغله كحاجز ليقفز فوقه أو كمعبر ليمر عليه، هو عدم وجود آليات قانونية دولية ملزمة تنص صراحة على عدم الإفلات من العقاب في حالة الانتهاكات التي ترتكب عمدا ضد الصحفيين، كيفما كانت طبيعة هذه الانتهاكات مادية أو معنوية، وهذه الأخيرة لا تقل خطورة عن الأولى لأنها تقتل الصحافي في صمت.
إن حرية الصحافة هي جوهر كل الحريات، لأنها هي القادرة على حمايتها عندما يتم اغتصابها، وهي الكفيلة باستعادة باقي الحريات عندما تتم مصادرتها، ومن هنا أهمية وضع آليات قانونية دولية جديدة تعطي ضمانات حقيقية تعاقب وتردع أعداء الحرية أينما كانوا وكيفما كانوا حكومات أو منظمات إرهابية أو جماعات خارجة عن القانون أو أفرادا يسعون إلى كتم أنفاس الحقيقة.
فحرية الصحافة هي برلمان الشعوب، لأنها تعطي للجميع الحق في التعبير عن رأيه بحرية، وحمايتها هي مسؤوليتنا جميعا كبشر نحيا من أجل أن نكون أحرارا أولا وقبل كل شئ. وكما يقول المفكر الإنجليزي شريدان “خير لنا أن نكون بلا برلمان من أن نكون بلا صحافة حرة”، وقبله قال الرئيس الأمريكي السابق طوماس جفرسون إنه إذا خير أن تكون لبلاده حكومة بلا صحافة حرة، أو صحافة حرة بلا حكومة فإنه لن يتردد في اختيار الخيار الثاني. وهذا هو الخيار الذي يجب أن نراهن عليه لأن فيه حريتنا وخلاصنا.

– علي انوزلا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.