البوليساريو..أخطاء الفرصة الأخيرة

العيون الآن 

البوليساريو..أخطاء الفرصة الأخيرة .

بقلم د.خالد بويا

عند كل مواجهة او اصطدام مباشر بين طرفين او اكثر وسواء كانت هذه المواجهة سياسية او عسكرية…، فإن كل طرف ياخذ -عادة- بعين الإعتبار مآلات المواجهة وتأثيراتها على مستقبله ووضعه الإستراتيجي والسياسي…، كما يدرس كل الإحتمالات الممكنة بما في ذلك احتمال النصر واحتمال الهزيمة ويكون مستعدا لإعتماد خطط بديلة (خطة 1 خطة 2 خطة 3 …).

في المواجهات الكبرى التي عرفها نزاع الصحراء بين المغرب والبوليساريو بدا واضحا التباين الكبير في قدرة كل طرف على حدة على إدارة المواجهة وحسن التعامل مع جزئياتها ونتائجها .

ويمكن القول أن اكثر المواجهات والتحديات خطورة وتأثيرا على مصير النزاع بين الطرفين هي أزمة الكركرات وخلافة ابراهيم غالي لعبد العزيز في قيادة البوليساريو .

أولا : نموذج أزمة الكركرات

الأولى والثانية 2020.2016

بعد جمود طال أمده أعادت ازمة الكركرات ملف الصحراء إلى واجهة الأحداث، حيث وجدتها البوليساريو فرصة سانحة لتحريك مياهه الراكدة، فمن توقيف أشغال تعبيد الطريق المتجه نحو موريتانيا وشبه الإنتشار العسكري على المعبر في المرحلة الأولى، إلى الدفع بمدنيين لإغلاقه والقيام بمظاهرات عند عدة نقط تماس تتموقع عليها مراكز مراقبة تابعة للقوات المسلحة الملكية في مرحلة ثانية، أظهرت نتائج الأزمتين ارتجالية البوليساريو سواء على مستوى اتخاذ القرار او على مستوى قراءة الوضع الميداني والسياسي الإقليمي والدولي…، وبالتالي سوء التعامل مع النتائج وردود فعل الطرف الآخر، وهكذا فعلى امتداد أسابيع الإغلاق الأخير (حوالي ثلاثة أسابيع)، ورغم البروباغاندا الإعلامية التي عملت الحبهة على ترويجها عن الاوضاع الجديدة على الحدود الموريتانية الشمالية وما روجت له من خطط ومشاريع تهم مستقبل معبر الكركرات، فقد كانت كل المؤشرات تؤكد ان المغرب لن يسمح بأي تغيير للوضع القائم وانه سيقدم لامحالة على التدخل لفتح المعبر بأي وسيلة، أكدت ذلك الحشود العسكرية بتشكيلاتها المتنوعة المتجهة جنوبا والتي رصدتها كاميرات الإعلام المحلي وملأت صورها مواقع التوصل الإجتماعي، مما دفع البوليساريو نفسها الى التحذير من مغبة اي تدخل ضد المحتجين، لكن المغرب كان قد حسم أمره عسكريا ورتب الامر سياسيا مع حلفائه إزاء الموضوع، واستطاع في لحظات اخلاء المعبر وطرد عناصر البوليساريو إلى خارج المنطقة العازلة، لتصبح لاول مرة خالية بشكل تام من اي تواجد معلن للبولساريو وعناصرها العسكرية والمدنية، بعد حوالي نصف قرن من النزاع، وثبت ان الجبهة تفاجأت فعلا بالعملية ولم تدرك حجم التفوق العسكري والدبلوماسي الذي راكمه المغرب منذ وقف إطلاق النار .

ثانيا: نموذج انتخاب شخص متابع قضائيا رئيسا للأمانة العامة للبوليساريو .

سنة 2016 ستعرف حدثا مهما بالنسبة لجبهة البوليساريو وذلك بوفاة محمد عبد العزيز الرجل الذي ظل متربعا على هرم سلطتها منذ بدايات تأسيسها واستطاع قيادتها بحنكة رغم الأزمات الداخلية والمنعطفات الكبرى التي مرت بها زمن الحرب وبعد وقف اطلاق النار… ، ليضع موته الجبهة في موقف صعب خاصة مع ضيق هامش اختيار الخليفة المناسب له نظرا لعدة اعتبارات قبلية، سياسية وتنظيمية…، إلا انه وقبل حسم هذه المسألة المعقدة كان من المفترض أن تضع البوليساريو في حساباتها قضية في غاية الحساسية، تتعلق بملف قانوني موضوع تحت أنظار القضاء الإسباني، تعود أطواره إلى سنة 2008 حين رفعت مجموعة من الفعاليات الحقوقية بإسبانيا دعاوى قضائية تتهم حوالي 25 شخصية من قيادات البولويساريو بارتكاب جرائم متنوعة (اعتقال قسري اختطاف اغتيال …) كان بينهم القيادي ابراهيم غالي، بعد سنوات من رفع تلك الدعاوى سيصدر قاض اسباني مذكرة رسمية في حق هذا الاخير، والذي لم يمتثل للمذكرة القضائية كما لم تعين البوليساريو من جهتها هيئة دفاع لتفنيد مانسب إليه وإلى باقي القياديايين الآخرين من تهم وادعاءات، بل كانت المفارقة أن هذا التنظيم سينتخب نفس الشخص “ابراهيم غالي” أمينا عاما له ! دون إدراك لحجم المغامرة والتداعيات الكارثية لمثل هذا القرار، حيث كان من البديهي ان انتخابه كان خطأ استراتيجيا قاتلا وذلك لعدة اعتبارات :

أولها : أن انتخاب اي شخص مطلوب قضائيا يسيء لسمعة أي جهة يمثلها، فما بالك إذا كان هذا الشخص (الذي سيشغل فيما بعد أعلى منصب بتلك الجهة) متهما بجرائم يرقى بعضها إلى جرائم حرب، فيما يصنف بعضها الآخر ضمن خانة الجرائم الغير أخلاقية والماسة بالشرف خاصة في مجتمع محافظ متشبع بالقيم العربية والإسلامية.

ثانيها : أن المعني بالأمر لاستطيع الإضطلاع بأي دور دبلوماسي أوسياسي خاصة بالقارة الاوربية بناء على ماارتكبه من جرائم تقع تحت الولاية القضائية الأوروبية وفي حق مواطنين اوربيين، وهكذا ظلت انشطة ابراهيم غالي وجولاته حبيسة القارة السمراء وبعض دول أمريكا اللاتينية وتحت غطاء دبلوماسي جزائري وذلك طيلة اربع سنوات ونيف من توليه قيادة الجبهة إلى حين وصوله إلى اسبانيا مؤخرا لدواعي استشفائية او “إنسانية” على حد تعبير وزيرة الخارجية الإسبانية .

الدبلوماسية المغربية لم تكن لتجد هدية أحسن من هذه (ترأس شخص متابع قضائيا للبوليساريو) فعملت على استغلالها والإشتغال عليها لاحقا احسن استغلال، إذ تمكنت من متابعته ورصد تحركاته إلى حين دخوله إلى التراب الإسباني بوثائق مزورة وبتواطئ بين جنرالات جزائريين والحكومة الإسبانية، وهي الورطة التي عملت الخارجية المغربية على كشفها للراي العام الإسباني والدولي مما شكل إحراجا كبيرا لإسبانيا داخليا وخارجيا وضربة موجعة اخرى للبوليساريو خاصة إذا ماتمت مباشرة الإجراءات القضائية في حق زعيمها السياسي والعسكري وإدانته بما نسب إليه .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.