العيون الآن 

ينجا الخطاط يقرأ الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في النسخة الخامسة لكرانس مونتانا بالداخلة.
جلالة الملك يؤكد على الترسيخ المستمر لمكانة منتدى الداخلـة، الذي أصبح منذ خمس سنـوات، موعدا هاما لإعمال التفكير، وللبحث عن حلول ملموسة ومبتكـرة، وفي مايلي نص الرسالة الملكية: 

الحمـد لله، والصـلاة والسـلام عـلى مـولانـا رسـول الله وآلـه وصحبـه.

أصحـاب المعـالـي والسعـادة،

حضـرات السيـدات والسـادة،

يطيب لي أن أتوجه إلى المشاركين في الدورة الخامسة لمنتدى كرانس مونتانا بالداخلـة، التي ستتمحور أشغالها هذه السنة حول موضوع “بناء قارة إفريقية قوية وحديثة في خدمة شبابهـا”؛ وهو موضوع لا يمكن إلا أن يسترعي اهتمام جميع الفاعليـن، المؤسساتيين والخـواص، ليس فقط داخل قارتنتا، بل أيضا خارجهـا.

إن انعقاد هذه الدورة من جديـد، والتي نتمنى لأشغالها كامل النجاح والتوفيـق، لدليل على الترسيخ المستمر لمكانة منتدى الداخلـة. فقد أصبح منذ خمس سنـوات، موعدا هاما لإعمال التفكير، وللبحث عن حلول ملموسة ومبتكـرة، كفيلة بتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامـة.

ذلك أن هذه المؤسسـة، تعتبر فعلا منتدىً فكريـا، ومركزا يستقطب مشاركين من شتى المشـارب، ومن مختلف بقاع المعمـور. كما يستقبل شخصيات مرموقة، لتدارس قضايا تهم بالضرورة القارة الإفريقيـة، لكن صداها يمتد إلى القارات الأخـرى، بفعل ما تتمخض عنه هذه اللقاءات من أفكار جديـدة، وما تتيحه من فرص للتآزر والتعـاون.

كما نغتنم هذه المناسبـة، لنهنئ جميع الفرق التي عبأت كل طاقاتها لإنجاح هذا الملتقى الهـام. ونخص بالشكر، رئيس منتدى كرانس مونتانا، السيد جون بول كارتيرون، الذي أبان عن قدرة عالية على الإقناع والتقريب بين الرؤى، وذلك بفضل ما يتمتع به من حيوية وروح مبـادرة.

فخلال بضع سنوات فقـط، أضحت مدينة الداخلة تُشع بلا منازع، كأرض للقاء، وملتقى للحـوار. هذا الزخم الذي تتسم به هذه المدينة الجميلة والمضيافة، يعد رمزا لقارة إفريقية قادرة على مواكبة، بل ومضاهاة، المعايير الدوليـة.

أصحـاب المعـالـي والسعـادة،

حضـرات السيـدات والسـادة،

    قد تكون قارتنا فضاءً للآفاق الواعـدة، لكنها حتماً، أرض لكل الآمـال.
بل إنها على وجه الخصوص، في مركز المشهد العالمـي. لذلك، فإن رفع تحديات إفريقيـا، سيكون له بالضرورة أثر على الرهانات الجيوستراتيجية الدولية والتحولات الجاريـة. لقد حان وقت إفريقيـا، فالقرن الحالي ينبغي أن يكون قرن إفريقيا بامتيـاز.

إن ما يبرر هذا الاقتناع بالدرجة الأولـى، هو ما تتسم به هذه القـارة من حيوية ديمغرافيـة، إذ أن ساكنتها هي الأكثر شبابـا. فتسارع وتيرة التحول الديمغرافـي، يدعونا إلى إطلاق مشاريع تنموية كبـرى، كفيلة بتغيير واقع القـارة، سواء في ميادين التعليم والصحة، والفلاحة والبنية التحتية، أو في مجال محاربة الفقـر.

    كل هذا يشكل تحديات يتعين على إفريقيا رفعها، من أجل ضمان بزوغها وانبعاثهـا. فمتوسط العمر في إفريقيا الآن، لا يتجاوز التاسعة عشـرة. وهذا الجيل من الشباب، هو الذي سيبني إفريقيا الغـد، وهو الذي سيساهم في توطيد السلم والاستقـرار، وفي تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للقـارة.

لكن شبابنا في حاجة إلى العناية به، وتكوينه، وتحميله المسؤوليـة، بل وإعطائه ما يستحق من قيمـة.

أجل، ينبغي تكوينه من أجل تحويل ما هو متاح اليوم، من مؤهلات وإمكانات اقتصادية، إلى واقع ملموس غـدا. فكل إخفاق في هذا المجال، سيكون وبالاً على قارتنا وعلى مناطق أخرى أيضـاً.

فهجرة بعض شبابنا نحو آفاق أخرى، في ظروف محفوفة بالمخاطـر، بحثاً عن غـد أفضل، لا ينبغي أن تصبح قدراً محتوماً، ولا عنواناً لإفريقيا فاشلـة.
إن مصلحتنا المشتركـة، تقتضي العمل على تنزيل حلول وجيهة ومناسبـة، حتى يرى شبابنا مستقبله في إفريقيا، ومن أجل إفريقيـا.  

أصحـاب المعـالـي والسعـادة،

حضـرات السيـدات والسـادة،

إن المملكة المغربية تدرك أن القارة الإفريقية تختزن الكثير في جعبتهـا، 
وأن لديها ما يكفي من القدرات والمزايـا، للتطور والالتزام والانخـراط، بكل جرأة وعـزم، ولتحقيق التغير الجـذري. فقارتنا سائرة على درب التقدم، ونهضتها أضحت واقعاً ملموسـاً.

لقد اختارت إفريقيا نهج الانفتـاح، من خلال رفضها لمنطق النهب والاستغلال الصارخ لثرواتهـا، مع الحفاظ على قيم التقاسم والتضامـن، التي تميز ثقافاتها العريقـة.

إن التزام المغرب من أجل إفريقيـا، ومن أجل تعاون جنوب-جنوب مثمـر، ليس نتاج ظرفية معينة، ولا مصالح ضيقـة. فمنذ اعتلائنا عرش المملكة، ما فتأنا ندعو إلى تضامن فعال وأخوي، ومفيد بشكل متبادل، لأننا نعتبر قارتنا الإفريقية واجبَنـا ومسؤوليتَنـا، وفرصتَنـا.

فمنذ سنة 2000، قررنا إلغاء مجموع الديون التي قدمها المغرب للبلـدان الأقل تقدماً في القـارة. كما اعتُمدت تسهيلات لفائدة صادرات هذه البلدان إلى المغـرب.

وكان من نتائج ذلك، ارتفاع حجم الصادرات الإفريقية باتجاه السوق المغربيـة. فقد أبى المغرب، من خلال هذا الإجراء، إلا أن يجسد على أرض الواقع، التزامه بمسؤوليته وواجبـه، المتمثلين في انتهاج سياسة تعاون تعود بالنفع على جميع الأطـراف.

فمن منطلق الوفاء بهذه المسؤولية، اختار المغرب نهج الانفتاح والتضامن، واليد الممدودة إلى كافة نظرائه الأفارقـة ؛ بموازاة اختيار تعزيز ودعم السلام والاستقرار والأمن في إفريقيـا.

وإننا على يقين، بأن هذه الشروط ضروريةٌ لإعداد وإنجاح سياسات اقتصادية واجتماعية، تضمن عيشاً كريما، وحياة أفضل لساكنة إفريقيـا.

ذلكم اليقين الذي يسعى المغرب من خلاله إلى العمـل، سوياً مع أشقائه الأفارقـة، ومع أصدقائهم وشركائهـم، من أجل جعل إفريقيا قارة المستقبـل. وهذا هو التصور الذي يؤطر عملنا، لاسيما بعد عودة المغرب إلى حضن أسرته المؤسساتية الإفريقيـة.

فمسؤوليتنا تقتضي وضع إفريقيا على درب التقدم والتحرر، فضلا عن مدها بالقوة التي تبوؤها مكانتها المشروعة في الساحة الدوليـة. كما يقع على عاتقنا أيضاً، ألا ندخر جهداً في حشد طاقات الفاعلين والقوى الحية، التي ستضطلع بتجسيد هذا المصير المشترك، الكفيل بتحقيق النهضة الفعلية لإفريقيـا.

أصحـاب المعـالـي والسعـادة،

حضـرات السيـدات والسـادة،

يعرف عالم اليوم اضطرابات غير مسبوقـة. من أبرز تجلياتها التحول الديمغرافي، والانتقال الإيكولوجي، والثورة الرقمية، وأنماط التنقـل. فعلينا التكيف مع هذا الواقع الجديد، والعمل على تطوير سياساتنا، لما فيه خير شعوبنا، ومن أجل مستقبل شبابنـا.

ففي ظل الظرفية الدولية الراهنة، يعد هذا المنتدى أحد فضاءات التفكير والتبادل، التي تتيح تحديد واستيعاب مواطن القوة، والنقط التي تستدعي اليقظة، والقضايا الجديرة بالنقـاش.

وكلنا أمل في أن تسهم التوصيات التي سيتمخض عنها لقائكم، في بلورة أشكال جديدة من التعاون، وأنماط خلاقة من التضامن والتكامل، تساهم في توجيه القيادات السياسية، وأصحاب القرار الاقتصادي، لما فيه مصلحة إفريقيـا.

وإذ نهنئكم مرة أخرى على هذه المبـادرة، وعلى هذا الالتزام المتواصـل، فإننا نرحب بكم في المملكة المغربيـة، متمنين لكم مقاماً طيباً في مدينة الداخلـة، وكامل التوفيق في أشغالكـم.

والسـلام عليكـم ورحمـة الله تعـالـى وبـركـاتـه.

وحرر في يوم الإثنين 04 رجب 1440 هـ، الموافق 11 مارس 2019 م.

 

محمـد السـادس

ملـك المغـرب