حسناء شهابي تكتب : ألغام العنف

العيون الان

ألغام العنف
حذار من العنوان الذي يثير التخوف والقلق، فالانفجار لن يفخخ على هذا الورق بل على المستقبل إذا ما لزمنا الصمت وتسترنا عن التطبيع بمشاهدة الألغام المدسوسة وانتظار افتعالها من غير اقتلاعها.
ألغام العنف مدفونة في حقول ثقافة الصمت. فلماذا الصمت إذا ولدنا ونحن نصرخ. لهذا سنجعل من هذا الحبر صرخة لأولئك الذين لم يعد لديهم صوت. صمتنا لم يحمينا وصمتكن لن يحميكن بما أن العنف ليس قدرا محتوما بل ممارسة ضعف. و لهذا يجب إيقافه. هنا أتساءل كيف لإمرأة تطمح للمساواة في الحرية؟ عاجزة عن إطلاق سراحها عندما لا تتحكم في جسدها.
نعلم جميعا أن التعقيدات السوسيوثقافية من أهم مسببات العنف ضد المرأة والتي تساهم بشكل كبير في إذكائه والتستر عليه، بل حتى التواطؤ امع تمظهراته، فمثلا إن كنا نتحدث عن العنف الممارس ضد المرأة في إطار الحياة الزوجية، فرغم أنه يشكل نسبة انتشار تعادل 55%، إلا أن نسبة التبليغ بشأنه للسلطات المختصة تظل نسبة ضعيفة جدا بحوالي 3%. و جدير بالذكر أن هذه التبليغات لا تهم إلا بعض صور العنف المبالغ فيه.
والطامة الكبرى تتجلى في وعي الضحية بماهية العنف، و مدى قدرتها التمييزية على تصنيف سلوكات معينة ضمن خانة العنف أو اللاعنف في ظل غياب تصنيف مرجعي يحدد مجموع السلوكات اليومية داخل الأسرة المغربية، و يصنف الأفعال و ردود الأفعال التي تقع بين الأزواج على مقياس العنف. الأمر الذي يستحيل معه تحديد مفهوم العنف كقيمة و حصر ممارساته، إذ يمكن لأية زوجة معنفة أن يلتبس عليها الوضع فتعتقد مثلا، أن إقدام الزوج على المعاشرة الجنسية بالإكراه اعتياديا، و الجدير بالذكر أن أغلبية النساء ضحايا هذا النوع من العنف تتغاضى عن الجهر بممارسات أزواجهن الجنسية اتجاههن، نظرا لحساسية الموضوع المعتبر في حكم الطابوهات. ويظل العنف الزوجي، الشجرة التي تخفي الغابة المتجذرة في البنية الثقافية نظرا لما تسوغه من سلوكيات ممارسة العنف ضد النساء بدليل أن المرجعية الثقافية حبلى بمقولات شعبية تحمل في طياتها العنف وتعمل على تكريسه في المعاملات مثل تشبيه المرأة بالأفعى أو نسخة إبليس البشرية كل هذا نتاج تحقير التراث اللفظي منذ عقود الذي يعزز العنف المعنوي والنفسي واللفظي ضد المرأة.

ولكسر جدار الصمت تعبأت العديد من الحركات الحقوقية كقوة ضاغطة لإخراج قانون يحمي النساء من العنف وتم المصادقة عليه من طرف الحكومة والبرلمان. لكن تمخض الجبل وولد فأرا نظرا لنواقص وعثرات .وما زاد في طينه الملغم بلة إرفاقه بضجيج الدعاية الإعلامية والتسويق السياسي كورقة النصرة الحزبية.
لكن مشاكل النصر أصعب من مشاكل الهزيمة لهذا يستعصي التصفيق على قطع الأنفاس بالقبول بقانونٍ مبتور لا يُحقق الإصلاحات الموعودة؟ وبعيدا عن العدمية، لابد من الاعتراف بأن رفع راية الكشف عن المستخفي بإماطة الستار على ألغام طابو من طابوهات وحش العذاب بمثابة إنجاز في حد ذاته. لكن هذا غير كافي لأننا اليوم مطالبين بالقطع مع العنف كثقافة والتعامل معه كجريمة.
فبعد نفس طويل و قطع مسافات مراطونية من انتظار الإفراج عن قانون يحارب العنف القائم على النوع، نفاجأ بمشروع مجزأ، مرتبك الصياغة و فاقد للرؤية، تشوب مقتضياته الكثير من الإختلالات الشكلية و الموضوعية. وإذا ما قمنا بقراءة موضوعية نجده تخندق بين المنجز وأزمة الإنجاز بسبب رداءة مواده وغموض مقتضياته. علما أن صناعة التشريع تستوجب ضوابط صارمة تتحدد من منطلق خصوصية اللغة القانونية، ودقة مصطلحاتها وحصر مجالات تفسيرها مع ضرورة تحقق الوضوح تلافيا للّبس، ورفع للغموض أو لأي تأويل.
أما بالنسبة للتشريع فقد خرج من عنق الزجاجة بالنظر لقوانين ولدت ميتة بعد مخاض طويل. فاعتماد مجموعة من الاستراتيجيات، البرامج والقوانين التي تهم مناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي لا تكفي في ظل تعطيل المصاحبة الإجرائية والهيكلية لهذه القوانين وغياب إرادة سياسية جادة للدولة قصد القطع مع كل أشكال العنف ضد النساء.
طبقا لدراسة تقييمية، رغم ما بذل من مجهودات حكومية على مدى عشر سنوات، توّجت بمجموعة من الإستراتيجيات و خطط العمل، كالإستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء، مدونة الأسرة، مجموعة القانون الجنائي ، مدونة الشغل، قانون الجنسية، و الخطة الحكومية للمساواة “إكرام” في أفق المناصفة 2012-2016، إضافة إلى مصادقة المغرب على اتفاقية محاربة جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). إلا أنها جميعا تظل دون مستوى التطلعات، بسبب محدودية هذه التدابير والإجراءات في حماية النساء من ظاهرة العنف التي تكتسح مزيدا من الفضاءات و المجالات، و يزداد عدد ضحاياها يوما بعد يوم. ولعل مكمن الخلل في كل هذه البرامج الحكومية و القطاعية السالفة الذكر، يرجع بالأساس إلى عدم استنادها على دعائم أساسية تتمثل في:
 الاجتهاد في تنصيص قانوني لمحاربة العنف وليس لمعالجته؛
 إرساء سياسة جنائية في مجابهة العنف ضد النساء،
 دعم المجتمع المدني في أي إستراتيجية لمناهضة العنف المبني على النوع الاجتماعي،حيث لا يمكن أن تجد طريقها للتفعيل و الأجرأة، دون وجود شريك مجتمعي قوي، يمثل خط التماس الأول في جبهة المواجهة بين أجهزة الدولة و ظاهرة العنف؛
 إعادة بناء الثقة بين مرافق الدولة ومرتفقيها من النساء ضحايا العنف، لتشجيعهن أكثر على تبليغ ما يتعرضن له من ممارسات منافية للكرامة الإنسانية؛
 الوقاية من العنف المبني على أساس النوع الاجتماعي مع الحرص على ردع مرتكبيه والتكفل بضحاياه؛
فلا سبيل من إيقاف عجلة إنتاج العنف من داخل قيمنا بدون مقاربة سيكوثقافية و سوسيوقانونية شاملة، لهذا وجب التأكيد أن الواقعية تقتضي وضع القوانين بما يتناسب مع إمكانات تفعيلها وأجرأتها على أرض الواقع، أما الاكتفاء باجترار النصوص القانونية دون تعبئة الموارد الكفيلة ببعث روح الحياة فيها، فهذا ضرب من الوهم والعبث بألغام قابلة الانفجار في أي لحظة.
بقلم الأستاذة حسناء شهابي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.