ذ محمد فاضل ابا حازم يكتب: “قراءة في دعوة السلطات الرسمية لإجبارية استعمال الكمامات الطبية.”

العيون الآن

ذ محمد فاضل ابا حازم يكتب: “قراءة في دعوة السلطات الرسمية لإجبارية استعمال الكمامات الطبية.”

منذ صدور البلاغ المشترك للوزارات الثلاث القاضي بإلزامية استعمال الكمامات، تحت طائلة العقوبات المحددة ومواقع التواصل الاجتماعي تتواتر في تقاسم الفيديو الشهير لرئيس الحكومة، بداية الأزمة حول نفس الموضوع، و إن من زاوية مخالفة تدعو لعدم الاقبال على الكمامات من باب الزاميتها على المرضى فقط. والمقام هنا ليس لقراءة تصريحات رئيس الحكومة على اعتباره لحظتها يعبر عن تقدير الحكومة لحالة الوباء و سبل التعامل معه و كذلك سعيا منه لطمأنة المواطنين ، وإن كان عليه ،من باب التحري، كرئيس حكومة ، أن ينأى بنفسه عن الخوض في تفاصيل تقنية ، لها أهلها ومسؤولوها.
ما يهمني في الموقف ، استبيان موقف الجمهور من القرار المتخذ ، بين من تقبله جملة و تفصيلا و تفهم دواعيه، ومن لم يتقبله و اعتبره تناقضا صريحا بل وغير مفهوم من الحكومة.
والأمر هنا ، أن تدبير الأزمات ، مهما كان نوعها ، وفي جملته لا يخضع لمنطق الذكاء الاصطناعي المتمثل في الأرقام و الإحصائيات، ولا لمنطق الذكاء الانساني بنوعيه الفردي و الجماعي. والشواهد على ذلك عديدة من التجربة المعيشة في كل دول المعمور المصابة بهذا الوباء.
فمنطق تدبير الأزمات يتعلق بخصوصيات كل بلد وتطورات الوباء فيه، وكذا بإمكانياته الذاتية في التعامل مع الوباء و كذا سبل التصدي له. ولعل دول العالم اتخذت سبلا متعددة في التعاطي مع الجائحة بتقديرات مختلفة بل و متناقضة أحيانا. حيث اختار البعض التدرج والأستباقية في فرض الحجر الصحي كما فعل المغرب وبعض الدول العربية ، في حين ذهبت تقديرات بعض الدول الأوربية الى عدم فرض اي حجر على المواطنين وجعل الأمر اختياريا لهم مع اتخاذ سبل الاحتياط المقدرة، والتي ما لبثت أن تبين لها عدم صحة اختيارها الأول.

المغرب بدوره وبالنظر الى امكانيات الاستشفاء المتواضعة مقارنة مع ما تتمتع به الدول الأوربية التي اجتاحها الوباء، وشارف على القضاء على منظوماتها الطبية، اختار سبيل الوقاية فسارع إلى إغلاق الحدود البرية و الجوية في خطوة أدركت بعدها دول العالم إلزاميتها لتحذو حذوه بعدها ، وذلك على اعتبارها الإجراء الأهم و الأوجب الشروع فيه قبل باقي الإجراءات الإحترازية . غير أن منطق استعمال الكمامة في الشوارع لم يكن بالفعل حاضرا و مقبولا في بادية الأزمة بالنظر لحجم الحالات المحدودة و كذا المعلومات المتوفرة لدى منظمة الصحة العالمية آنذاك حول الفيروس و اعتبارا كذلك لحالة الرعب و الخوف الذي قد يخلفه ترويج ذلك القرار في مجتمع محافظ لا يتفهم ولا يقبل استعمال كمامة في حالة الاصابة بالمرض فكيف في خلاف ذلك . وواقع الحال أن التجربة الصينية أبانت أن استعمال الكمامات في الصين كان خيارات استراتيجيا لجهة خبرت طبيعة و سبل انتقال الفيروس و لها من الإمكانات الاقتصادية ما يسمح لها لصناعة حاجياتها من تلك الكمامات ولها كذلك و الأهم ثقافة شعبية قادرة على الانضباط و التقيد بالاسعمال الصحيح و الفعال لهذا الإجراء.
فهل نملك هذه الثقافة المجتمعية و حتى الاقتصادية لاستعمال هذه الكمامات؟ هل لنا من التقنية ما يسمح بالاستعمال المناسب و كذا بالتغيير المستمر للكمامات في كل خمس ساعات وكلما دعت الضرورة ؟ والأهم و الأخطر من كل ما سبق كيفية التخلص منها دون أن تشكل خطرا على من يستعملها أولا وعلى الغير ثانيا.
لعل كل هذه التساؤلات قد تفرض نفسها علينا لأن الاحتمال الأساسي يتمثل في كون استعمال تلك الكمامات قد يشكل خطرا على صاحبه إن لم يجد استخدامها بشكل صحيح، وهو الأمر الذي لطالما نبهت اليه السلطات الطبية بداية الأزمة .
ما يعنيني في هذه القراءة كخلاصة ليس الخوض في التفاصيل التقنية حول إجراءات الوقاية ،لأن لها جهات مختصة و رسمية قادرة على البحث فيها و تقدير صلاحياتها. ما يعنيني من كل ما سبق ، هو الوصول الى نقطة التقاطع الأساسية بين المواطن من جهة و الجهات المختصة ، ولا أود أن أسميها الحكومة ، لأن الموضوع أكبر من أية حكومة أو مؤسسة مادام يعني سلامة المجتمع و أفراده. نقطة التقاطع هاته تعني أننا كمواطنين ملزمون في هذه اللحظات بالتجند و الانضباط للجهات الوصية و المختصة في كل القرارات المتخذة . لأنها و من دون شك ، أحرص و أحوط من أن لا تتخذ منها إلا ما تراه مناسبا و صالحا لنا . وهي بهذا المعنى مؤتمنة على حماية مجتمعها بكل السبل المناسبة .فما على المواطن إلا أن يتعاقد معها مبدأ الثقة المتبادلة و المسؤولية الفردية ثم الجماعية حتى يتأتى للمجتمع جماعات و أفراد أن يخرج من هكذا نحن سالما معافى وبأقل الخسائر.ولنا في التجربة الصينية مثال على الانضباط و الالتزام و الكف عن زرع الشك و الريبة من كل قرار متخذ لأن من شأن ذلك الاضرار و الإساءة للجميع . فعلينا جميعا دعم تلك الجهات المختصة و الوقوف إلى جانبها لاحترام قراراتها و الانضباط لها حتى يتسنى لها أن تقود معركة التصدي للوباء بقلب مجتمعها وعقله الجماعي. إذ أن أهم معركة في تدبير كهذا أزمات ليس محاربة الفيروس و إنما ضبط الإرادة المجتمعية بكل أطيافها و تلاوينها في التصدي بوعي جماعي غير قابل الانكسار و الفشل. فهل ننجح جميعا في هذا التحدي الحقيقي ؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.