قصة “الشيخ جراح” الحي الفلسطيني الذي تريد إسرائيل تهويده وطرد ساكنيه المقدسيين

العيون الان

قصة “الشيخ جراح” الحي الفلسطيني الذي تريد إسرائيل تهويده وطرد ساكنيه المقدسيين.
عادل بن الحبيب

طوال ليالي شهر رمضان لم تعرف مدينة القدس الهدوء، وسط غضب متزايد من احتمال طرد عائلات فلسطينية من منازلها، في حي الشيخ جراح في الجزء الشرقي من المدينة المقدسة، وامتد التعاطف مع العائلات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث نظم عشرات الفلسطينيين خلال شهر رمضان في حي الشيخ جراح مظاهرات تحذر من “التطهير العرقي”، وطرد العائلات من منازلها في الحي.

وتشهد مدينة القدس منذ بداية شهر رمضان، اعتداءات تقوم بها قوات الشرطة الإسرائيلية والمستوطنون، خاصة في منطقة “باب العامود” وحي “الشيخ جراح”، امتدت لاحقا إلى المسجد الأقصى، أسفرت عن مئات الإصابات وحالات الاعتقال بين الفلسطينيين.وصباح الإثنين، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، باحات المسجد الأقصى، مستخدمة الرصاص المطاطي، وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، وأوقعت نحو 215 جريحا قبيل انسحابها من باحاته منتصف النهار. و أعلنت جماعات استيطانية عن تنفيذ “اقتحام كبير” للأقصى ، بمناسبة ما يسمى بـ”يوم القدس” العبري الذي احتلت فيه إسرائيل القدس الشرقية عام 1967.

الشرارة أطلقها قرار المحكمة المركزية بطرد عائلات في الشيخ جراح من منازلها التي تقيم فيها منذ العام 1956، ما فجر موجة احتجاجات فلسطينية في مدينة القدس. وكانت ليلة السبت الماضية ذروة المواجهات بين القوات الإسرائيلية والفلسطينيين في القدس، وحول المسجد الأقصى، وأثار القمع الذي تعرض له المحتجون الفلسطينيون حفيظة المجتمع الدولي، وسط استنكار إقليمي وعربي شديدين.
وتعود فصول معاناة العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح لعقود، منذ انتقلت من يافا عام النكبة الأولى، وحتى بدأ نزاعها المرير مع المستوطنين عام 1972، وما زالت القضية مستمرة دون حل حتى اليوم، القصة تعود لعام 1956، عندما تم طرد عائلات فلسطينية من منازلهم من طرف العصابات الصهيونية ، ليستقر بهم الحال في الشطر الشرقي من المدينة المقدسة، وأقاموا في مبان شُيدت خلال فترة الحكم الأردني في الضفة الغربية.
وفي عام 1972، بدأت سلطات الاحتلال بالتضييق على سكان الحي، زاعمين أن الأرض التي تقام عليها تلك المباني تعود لعائلات يهودية،حيث ادعت لجنة طائفة السفارديم ولجنة كنيست إسرائيل (لجنة اليهود الأشكناز) أنها تملك أرض الحي منذ 1885. وفورا بدأت بتقديم دعاوى إخلاء لمنازل تقطنها العائلات الفلسطينية بدعوى إقامة المنازل على أرض مملوكة لها، وهو ما تنفيه العائلات الفلسطينية وأيضا الحكومة الأردنية ووكالة (الأونروا ) ،لتنجح في الاستيلاء على عدد من المنازل في الحي، ويتم تسليمها فيما بعد للمستوطنين. يؤكد السكان المقدسيون أن بيوتهم أُقيمت بشكل رسمي على هذا الحي، بموجب اتفاق مع الحكومة الأردنية ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”. وفي 4 مارس 2021، أمهلت محكمة إسرائيلية 3 عائلات فلسطينية قررت طردها من منازلها بالحي حتى غشت المقبل لإخلائها، بعد قرار مشابه صدر منتصف الشهر الماضي بإخلاء 4 عائلات أخرى من نفس الحي.

لكن قضية حي الشيخ جراح، ليست بجديدة على مفردات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فقد هُجرت عدة عائلات فلسطينية من ذلك الحي عام 1948، وكان عام 1972، هو الوقت الذي زعمت فيه، جمعيات يهودية، أنها تمتلك وثائق بملكيتها للأراضي التي أقيمت عليها، منازل الحي، وتعود تلك الوثائق إلى أواخر القرن التاسع عشر، بحسب ادعاء لجنتي اليهود الأشكناز والسفارديم.

أعادت قضية إخلاء منازل العائلات الفلسطينية، والفعاليات المحلية الداعمة لمعاناتها، قضية القدس إلى صدارة جدول أعمال المجتمع الدولي. فالعدوان الواسع الذي ارتكبته قوات الاحتلال على المسجد الأقصى في مدينة القدس، ، يسعى إلى إظهار “السيادة” الإسرائيلية على المدينة المقدسة. ومن زاوية ثانية، يشير المراقبون إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، يسعى من خلال هذا التصعيد إلى كسب رضى المستوطنين، لأسباب سياسية وانتخابية.
لا ينبغي النظر للمواجهات الجارية على أنها أحداث طارئة، بل إنها تأتي في إطار “معركة السيادة على القدس”، في ظل دعم رسمي إسرائيلي للمستوطنين المتطرفين، ومحاولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الهروب من أزماته الداخلية. وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل للظهور وكأنها صاحبة “السيادة” على المدينة، بما في ذلك المسجد الأقصى، فإن الفلسطينيين ينجحون في عكس صورة مخالفة مفادها أنها مدينة واقعة تحت الاحتلال والقمع، وفق المحللين.

سبب آخر، للتصعيد الإسرائيلي، وهو محاولة رئيس الحكومة الانتقالية الحالي، بنيامين نتنياهو، كسب رضا المستوطنين، بهدف الحفاظ على وجوده داخل الحكومة وعدم تقديم رأسه لمقصلة المحاكمة والقضاء.
نتنياهو يستخدم المتطرفين لتحقيق أمانيه وقلب الطاولة الأمنية في المنطقة، لاستجلاب المزيد من الأصوات للحفاظ على نفسه في الحكومة، وإظهار نفسه، أمام اليمين، أنه المنقذ الذي سيخلص إسرائيل. وتجدر الإشارة ان نتنياهو يحاكم حاليا على ذمة 3 قضايا فساد، ويُعتقد أن فقدانه منصب رئيس الحكومة، قد يسرع في دخوله السجن، نتنياهو يحاول أيضا الحفاظ على تماسك حزبه (الليكود) من خلال الاقتحام والتصعيد الميداني.
قال رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، إن “إسرائيل تمارس أبشع أنواع العنصرية في الأراضي الفلسطينية”.
وأضاف، أن “محاولة طرد أهالي الشيخ جراح (بالقدس) من بيوتهم ليست مسألة قانونية بل سياسية، وأن القضاء الإسرائيلي موجه سياسيا ضد الوجود الفلسطيني في المدينة”.
ودعا المجتمع الدولي لـ”التحرك فورا من أجل وقف انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبنا في مدينة القدس والمقدسات فيها، بالإضافة إلى وقف محاولات مصادرة منازل المواطنين وتهجيرهم”.
وقال اشتية إن “أحداث القدس وانتفاضة أبنائها بوجه المستعمر تعكس الأهمية الوجدانية للمدينة المقدسة لدى كل فلسطيني، وأعادت القضية الفلسطينية إلى أجندة أولويات العالم”.
ما يجري في القدس، زهرة المدائن و مدينة السلام هو “إعادة اعتبار للقضية الفلسطينية”، في ظل وجود جيل فلسطيني “يصون هويته ولا يقبل بكسر إرادته”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.