هل تصل رسالة “البوكر” إلى دور النشر المغربية ؟

العيون الان

هل تصل رسالة “البوكر” إلى دور النشر المغربية ؟

بقلم: محمد النعمة بيروك

في دورتها الرابعة عشرة لهذا العام 2021، أعلنت أول أمس “الجائزة العالمية للرواية العربية”، الواقع مقرّها بأبوظبي، وهي النسخة العربية من الجائزة الدولية للرواية، المعروفة بـ”البوكر” عن عنوان الرواية الفائزة لهذه السنة، وهي رواية “دفاتر الورّاق” للروائي الأدني جلال برجس.
وجاء هذا الإعلان عبر لجنتها المكونة من نخبة من النقاد والأدباء، وتحديداعلى لسان رئيسها الأديب والشاعر اللبناني شوقي بزيع الذي هدّد بحرمان بعض دور النشر “المتضامنة مع الركاكة والتسطيح المعرفي” من تقديم ترشيحاتها للجائزة ولو لدورات محدودة بعد الإعلان عن النتائج النهائية، خاصة أن الجائزة “لن تكون وجهة للشهرة الزائفة والوجاهة الأدبية والاجتماعية لبعض الكتاب والناشرين”، على حدّ تعبيره.
يذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي لفتت فيها البوكر دور النشر العربية إلى مسألة اللغة في الروايات المرشحة، فقد قال رئيس اللجنة الأسبق الراحل الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي قبل سنوات إن من الروايات التي وصلت “الجائزة العالمية للرواية العربية” ما “لا يستحق القراءة”، لافتقادها لـ”معايير النص الأدبي” على حد قوله.
وقد حملت كلمات البرغوثي آنذاك رسالة قوية إلى دور النشر التي عهدت لها “البوكر العربية” ، على الأقل بترشيح روايات قابلة للمنافسة.
كما تكررت الإشارة إلى هذا الأمر أيضا على مدى سنوات، في مناسبات عدة، سواء من قِبَل الرؤساء أو الأعضاء.
ورغم أن القائمين على الجائزة لا يذكرون تلك الدُّور بالاسم، إلا أنّه لا يخفى أنّ الكثير من هذه الدور في الوطن العربي لم يعد يراعي الإشراف على العمل ومراقبته لغويا قبل صدوره، وقد أشار البرغوثي إلى أنّ حجم الأخطاء “لا يمكن السيطرة عليه”، وأن أي سعي لذلك “سيسبب ألما كبيرا” للمصحح على حدّ تعبيره، محذرا تلك الدّور ضمنيا من سوء الإشراف، الأمر الذي لن يخلّدها في الكتب، من خلال قوله “ما لا ينمو يموت”.
ولعلّ عددا من الدُّور المغربية ليس استثناءً من هذا المحيط العربي، ويبدو ذلك من خلال المعايير التي تضعها لنفسها، على الأقل في تعاملها مع الراغب في النشر والطبع، ونحن هنا لا نتحدث عن حالات الفساد المستشرية في بعض الدور –وليس جميعها- من سطوة على المؤلف، واحتكار الطبع، وغش في المعايير، وبيع خارج الاتفاق، وما إلى ذلك، بل عن الكتاب نفسه، حيث يتمّ الاتفاق عادة على عدد الصفحات، ونوعها، وحضور الألوان والصور من عدمه، والغلاف، والثمن، دون ذكر لأي شيء يتعلّق بالتصحيح والتنقيح اللغوييْن، وغير ذلك ممّا يفترض أن يشغل بال الدّور حفاظا على هيبتها التي ستصاحب الكتاب أينما حلّ وارتحل.
وعلى عكس كل هذا بات أغلب هذه الدّور مؤسسا على الربح المحض، دون أي اعتبار للجودة، ولا حتى إيعاز هذا الإشراف اللغوي -على الأقل- للمؤلف من خلال لفت انتباهه، وصار العمل المقدّم في أغلب الحالات يطبع على علاته، حيث كثيرا ما يؤتى بالعمل جاهزا على قرص مدمج، أو حامل بينات usb، وهو تسخير للتكنولوجيا قد يتصادم مع من كتَب ومن نسّق وكيف، ممّا يسيء لدار النشر خصوصا في ما يتعلّق بالأخطاء المطبعية، تماما كما يسيء للمؤلف على مستوى النحو والإملاء والتعبير، رغم أنها أمور لا تبرّيء دور النشر أيضا على أي حال.
فقد صدرت على مدى سنوات فارطة دواوين شعر، وروايات، وكتب في الكثير من المجالات بكل ما تحمله من أخطاء، رغم أن هذه الكتب واجهة للثقافة العامة للبلاد التي لم تتجاوز بعد الرقابة على الأفكار، حيث ماتزال تُراعى بالكثير من الجدية والحزم، على حساب الشكل المهمل، وهذا في عالم متقارب تجمعه وسائل الإعلام والاتصال والتواصل، مما ينحدر بالمشهد الثقافي خارجيا، ويقف عند جلد الذات داخليا، من خلال الحديث عن هذه الهنات باستمرار في الغرف المغلقة، أو في كل مرة يطفو فيه الكتاب على واجهة ما، فالقراءات النقدية إما أن تُجامل، وفي هذه الحالة يحسب تجاهل الخطأ من الناقد جهلا به، وإمّا أن يعتذر البعض عن القراءة النقدية خوفا من إثارة حفيظة الكاتب، ونادرا ما تتناول هذه الأخطاء في قراءات علنية، كما يندر أن تمرّ –إذا حدث ذلك- بدون حساسيات.
إن البحث عن الربح، وهو حق لدور النشر على أي حال، أدّى في الكثير من الحالات إلى اعتماد
كتب لا ترقى إلى مستوى اللغة الصحيحة، وهو ربح بنظرة قصيرة، لا تتوخّى السمعة الطيبة على أمد أطول، وهي حالة لا يبرّأ منها عدد كبير من المؤلفين الذين يساهمون بشكل أو بآخر في إنعاشها وتوطيدها.
ولعلّ في تلميح “البوكر” إلى أنّ أغلب الدّور لا تتوفر على محررين لاختيار أعمال في المستوى، وما قاله أحد أعضاء لجنة التحكيم، وهو الناقد العراقي نجم عبد الله، من أنّه كان يتمنى أن تُعرض الأعمال بدون أسماء أصحابها، لَفيه ما يمكن أن تستفيد منه دار النشر المغربية، للحد من انتشار الكتاب الرديء، تماما كما يحدث في بعض الدول العربية الأخرى من إهمال لجانب الجودة، مما حذا بـ”لجنة مريد البرغوثي” إلى اقتراح تقليص مشاركات كل دار نشر إلى أقل من ثلاث روايات، فيما أعلنت اليوم أنها ربما تحرم مثل تلك الدور من المشاركة مطلقا، في إشارة إلى أهمية القيمة، وليس الكم، لأن “البوكر”على كل حال، وفق ما صرّح به أهلها، ليستْ جائزة تشجيعية، بل هي اعتراف بجودة قائمة بالفعل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.