هناك معضلة أخلاقية في المقام الأول في قرار الرئيس ترامب وقف دخول اللاجئين إلى بلاده مع مواطني سبع دول إسلامية. قلة من قادة العالم وسياسييه، ليس من بينهم العرب للأسف، من التقط هذه المسألة ووضعها في صدارة انتقاداته العلنية للقرار.
من أبرز هؤلاء ثلاثة ترفع لهم القبعات احتراما: المستشارة الألمانية ورئيس الوزراء الكندي ووزيرة العدل الأمريكية بالوكالة.
أنغيلا ميركل قالت إن «مكافحة الإرهاب الضرورية والحازمة لا تبرر إطلاقا تعميم التشكيك بالأشخاص من ديانة معينة، وتحديدا هنا الإسلام»، فيما أكد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو إلتزام بلاده باستقبال «الفارين من الاضطهاد والإرهاب والحرب بغض النظر عن عقيدتهم»، أما أمريكيا، فقد أبدعت بشكل خاص سالي ييتس وزيرة العدل بالوكالة التي أقالها ترامب لإصدارها تعميما تطلب فيه من المدعي العام عدم تطبيق قرار الرئيس.
لقد قدمت هذه المسؤولة الاعتبار الأخلاقي عما سواه وذلك حين قالت إن مسؤوليتها «لا تكمن فحسب في ضمان أن يكون موقف الوزارة قابلا للدفاع عنه قانونيا بل أن يكون مرتكزه هو أفضل تفسير لدينا لما هو عليه القانون، بعدما نأخذ في الاعتبار كل الوقائع»، خالصة إلى أن «وزارة العدل لن تقدم حججا للدفاع عن الأمر التنفيذي (للرئيس ترامب) إلا إذا اقتنعت بانه من المناسب فعل ذلك». الجانب الأخلاقي هو ما حرك كذلك عددا من كبار نجوم المجتمع الأمريكي من عالمي السينما مثل الممثل دينزل واشنطن، أو التكنولوجيا مثل مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ وغيرهما ليس بالقليل في مجالات عديدة، لا سيما في الصحافة التي اتسمت بشراسة واضحة ضد ترامب.
وطالما نتحدث عن الجانب الأخلاقي في المسألة كلها، ففي خضم تخمة التعليقات والتصريحات التي أثارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقراره، هناك ما يمكن التوقف عنده فعلا.. من ذلك مثلا أن نورم أيسن محامي أخلاقيات المهنة للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما صرح بأن «سبب منع ترامب دخول المواطنين من الدول السبع تعود لكون شركاته لا تملك مصالح فيها». وأوضح في مقابلة مع شبكة «سي أن أن» أنه «ليس هناك من شكّ أن حظر ترامب موجّه ضدّ دين معين»، مضيفا أنّ «هذا القرار يتعارض مع الدستور الأمريكي، ليس فقط لأنه لا يُسمح لك في الولايات المتحدة بالتمييز على أساس الدين والبلد الذي أتيت منه، ولكن لأن الدستور يمنع ترامب من أخذ الأموال من دول أجنبية قد استثناها في هذه القائمة». وخلص المستشار السابق للبيت الأبيض إلى أنّ «القضاء الأمريكي سوف يتصدى لهذا القرار غير الشرعي وغير الأخلاقي».
ومثلما حضرت الأخلاق هنا بقوة، غابت بقوة كذلك عند آخرين للأسف، وبعضهم بين ظهرانينا إلى درجة لافتة دفعت حتى محرر الشؤون العربية بالقناة العاشرة الإسرائيلية تسفي يحزكيلي إلى القول «سمِعنا أصواتاً من مصر تطلب الجمهور بتفهم مواقف ترامب وأن الحديث يدور عن حقه في حماية بلاده من الإرهابيين المحتملين، في استمرار للتوجه العام في مصر ألا وهو اللهفة من انتخاب ترامب وتصويره على أنه المعادي للإخوان المسلمين». أحد هذه الأصوات المصرية مقيمة في الولايات المتحدة نفسها ولم تدخر حتى مصر، فهذا مجدي خليل مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات في واشنطن، الأمريكي من أصل مصري، يقول للبي بي سي إنه «ما يحسب للرئيس ترامب هو أنه بدأ خطوة واحدة في هذا الاتجاه، وقد تترتب عليها آثار سلبية أيضا، لكنه إن كان جادا، فعليه أن يبني على هذه الخطوة، ذلك أنه من غير المعقول أن يشمل العراقيين ولا يشمل السعوديين أو الباكستانيين، وكلنا يعلم أن باكستان هي واحدة من أكثر الدول تطرفا، والشيء نفسه ينطبق على مصر التي صّدرت ثلث إرهابيي العالم والعقول المدبرة للإرهاب». أما تغريدات ضاحي خلفان تميم، المسؤول الأمني الإماراتي، على «تويتر» فقد جمعت بين تأييد قرار ترامب واحتقار جنسيات الدول المشمولة ذلك أن «تدفق الجاليات المتخلفة إلى بلد يجعلها متخلفة ولو كانت أمريكا» وأن «والله كفو (شكرا) على أمريكا أنها كانت مفتوحة قبل لكل من هب ودب» !!.
في السياسة لا يمكن للأخلاق أن تختفي بالكامل، وفي قرار ترامب فشلت معظم الحكومات العربية، أو الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، في التقاط هذا الجانب على الأقل، وذلك عندما التزمت الصمت الثقيل، خوفا وحيرة، أو بإصدار مواقف خجولة باهتة، فيما انخرط آخرون في تبرير خطوة ترامب واختلاق الأعذار له، نكاية وشمـــــاتة، وكلاهما معيب. يمكن أن يقال الكثير في السياسة الأمريكية والغربية عموما ولكن من الإنصاف الاعتراف أن في معظم الأحداث الكبرى، ليس كلها طبعا، يتفوق سياسيوها ونخبتها أخلاقيا فيما يسقط كثيرون غيرهم، ونحن في مقدمتهم…

محمد كريشان

اعلامي تونسي